تعليقات ملخص

القراءة التوجيهية
مفهوم النص الموازي
اهتمت الدراسات الغربية بدراسة النص الموازي، بينما أغفلته الدراسات النقدية العربية الحديثة، ومن أهم النقاد والدارسين الغربيين الذين عمقوا البحث في هذا الجانب الهام الناقد الفرنسـي (جيرار جنيت)، ففي كتابه “عتبات”، فكك النص الموازي إلى: النص المحيط، والنص الفوقي. فقد جعـل العنوان في مقدمة فضاء النص المحيط، وإلى جانبه كل من العناوين الفرعية والداخلية للفصول والمقدمة، بالإضافة إلى الملاحظات التي يمكن للكاتب أن يشير إليها، وكل ما يتعلق بالمظهر الخارجي للكتاب، كالصورة المصاحبة للغلاف، أو كلمة الناشر على ظهر الغلاف أو مقطع معين من المحكي. والنص الموازي في الرواية ليس حلية أو زينة، بل هو خطاب مفكر فيه، وهو الشيء التي يُواجه المتلقي ويرسم انطباعاً أولياً عن النص، سرعان ما يتوسع أو يتقلص مع القراءة.
1 – عتبة المؤلف
محمد عزالدين التازي من رواد رواية الطليعة في أدبنا المغربي المعاصر، وذلك بمجموعاته القصصية ورواياته التجريبية منذ فترة السبعينيات إلى يومنا هذا. ولد بمدينة فاس سنة 1948م، درس الابتدائي في المدرسة الأميرية ، إحدى مدارس الحركة الوطنية، والتحق بثانوية القرويين، فدرس الأدب القديم وعلوم اللغة،ودرس أيضا الثقافة الغربية وترجمات الأدب العالمي. نشر أول قصة قصيرة وبعض المقالات سنة1966م، وهو تلميذ بالثانوي. وتابع دراساته الجامعية بكلية الآداب بفاس، واستكمل فيها دراساته الأدبية الجامعية حتى حصل على درجة الدكتوراه في السرديات. وقد مارس التدريس بالتعليم الثانوي و كلف بتأطير الطلبة الأساتذة بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان. وكان عضوا فعالا في اتحاد كتاب المغرب واتحاد الكتاب العرب بدمشق والمكتب التنفيذي لرابطة أدباء المغرب، وهيئة تحرير مجلة دفاتر الشمال، وهيئة تحرير سلسلة إبداعات شراع.
وقد كتب الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي والمسرحية، كما كتب للأطفال. وقد ترجمت بعض أعماله إلى الفرنسية والإسبانية والهولندية والفلامانية والإنجليزية، وحاز على جائزة المغرب للكتاب سنة 1997م ، بعد أن حاز على جائزة فاس للثقافة والإعلام سنة 1996م ، أصدر مجموعات قصصية مثل : أوصال الأشجار المقطوعة 1975 – النداء بالأسماء1981م – منزل اليمام 1995 – يتعرى القلب 1998 – الشبابيك 2001 . وروايات ك: أبراج المدينة 1978 – رحيل البحر 1983 – المباءة 1988 – فوق القبور- تحت القمر 1989 – أيها الرائي 1990 – أيام الرماد 1994 – مغارات 1994 – مهاوي الحلم 2000 – ضحكة زرقاء 2000 . ومسرحيات مثل: المحاء 1995 – الغريب في الميناء 1995 . ودراسات نقدية : الكتابة الروائية في رفقة السلاح والقمر 1984 – السرد في روايات محمد زفزاف 1985 – الكاتب الخفي والكتابة المقنعة 1998 .
ومن سمات أعمال محمد عزالدين التازي السردية التجديد والانزياح وتكسير السرد التقليدي المألوف كما هو الشأن في مجموعاته القصصية: أوصال الشجر المقطوعة، والنداء بالأسماء، ويتعرى القلب، ورواياته مثل: أبراج المدينة، ورحيل البحر، المباءة، وأيها الرائي، ومغارات، إضافة إلى كتابات مسرحية تجريبية مثل: مسرحيته( المحاء) التي خص بها العدد الأول من مجلة فضاءات مغربية.
2 – عتبة السياق الخارجي (ملابسات إنتاج النص)
ملابسات إنتاج نص “المباءة” في جملة السياقات التي خلفت الكتابة الروائية لدى التازي، ومنها: يمكن اختزال
– هوسه بالكتابة باعتبارها مغامرة لتخطي إحباطات الواقع، وتمثيل رهانات الذات وقدرتها على إعادة صياغة هذا الواقع ضمن تجربة متميزة وأفق رمزي غني بكل أشكال الاحتجاج والبناء والهدم والتمرد والخلق والإبداع. – نظره إلى الرواية باعتبارها نقداً للعالم القائم بتمظهراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية رغبة في بناء عالم روائي بديل. فالكتابة الروائية هي محاولة لبناء عالَم متخيَّل على أنقاض عالَم واقعي أو عالم يكمن في الذاكرة. وهكذا فالتازي مقتنع بأن الرواية يجب أن تكتب سيرة الناس والأشياء، وسيرة المتخيلات.
3- تجنيس النص
أول ما يدلنا على أن النص رواية الميثاق الذي يبرمه الكاتب مع القارئ على أساس الثقة على غلاف الرواية، ناهيك عن كون بنيات النص ومحتوى المسرود تضعنا أمام عمل روائي واضح القسمات ، إضافة إلى تحديدات الكاتب النقدية ووجهات نظره في صناعة الرواية .
تحكي رواية “المباءة” حكاية مجنون يرعى قطيعاً من القطط يدعى قاسم الورداني، يكسب عيشه من خط شواهد القبور ، يسكن في غرفة من الغرف الملحقة بضريح الولي. مهووس مولع بالحروف والكلمات، يخطّها في شواهد القبور، ويرسمها على جسده، ويعتني بها مطبوعة على الصحف فيلتحف بها ويمشي عرياناً في الشوارع والأزقة. ومن خلال العلاقة بين هذا الخطّاط المجنون وفنّه يكشف التازي مقاربته النقدية في إنتاج الرواية الجيدة، اعتماداً على وحدة الفنون، واشتراكا مع بقية الفنانين، فالكاتب يشترك مع الخطّاط والرسّام والنحات والموسيقي، في خلق أشكال وهياكل جديدة من عناصر موجودة في الواقع، كما يشترك معهم في هوسهم بالفنّ، على الرغم من اختلاف الأداة التي يستخدمونها والمواد التي يوظّفونها في إبداعاتهم. ما يشير إلى أن النص رواية أيضا قدرة الكاتب على مزج الواقع بالخيال، وخلط الممكن بالمستحيل، وخلق فضاء روائي نصفه من عالمنا ونصفه الآخر من عوالم ليست مرئية، ورصد الرواية لواقع العلاقات الإنسانية والتحولات المجتمعية والصراعات الاجتماعية، وتشخيص الاختلالات والهواجس والتوقّعات، وتجسيد قلق الذات الكاتبة وتوترها، ورغبتها في بناء عالم روائي جديد، لا يستنسخ الواقع ، بل يحاول إعادة تشكيله بوسائط فنية في صورة حدس أو رمز أو حلم أو أسطورة. وتجري في فضاء هذا العالم الروائي أحداث بعضها حقيقي والآخر متخيل، وتتحرّك فيه شخصيات مُستعارة من التاريخ البعيد والقريب، تتساكن مع شخصيات وهمية؛ وتتعدد في هذا العالم الروائي أصواتُ وأزمنةُ وأحداث يتداخل بعضها في بعض. ويتولى الروائي صياغة هذا العالم بلغة شعرية تمتاز بالاقتصاد والتكثيف، وتستخدم الرمز والإشارة والصورة، وتصطبغ بمستويات متعددة متداخلة من التراثي والأدبي والشعري والشفوي والدارج، لا تقول كل شيء، بل تترك فراغات يستطيع عبرها القارئ أن يشارك في الإبداع عن طريق تفسير الأحلام وتأويل الرموز وملء الفراغات كل بطريقته الخاصة.
4- عتبة الغلاف
يغرق غلاف الرواية في لون داكن ينم عن كثير من الانسداد، وعن محاصرة كل ما من شأنه أن يخترق فضاء مغلقا عاريا من الشفافية والصفاء والضوء ، وعلى رأس الغلاف ينطبع اسم المؤلف بلون أبيض وهاج وكأنه يمثل القبس الهارب من عالم يكاد يكون مظلما قاتما، وتحته مباشرة يأتي العنوان بلون أصفر منسجما مع ما يدل عليه من اعتلال وشحوب ، ويتوسط فضاء الغلاف لوحة اختلطت في عمقها ألوان رمادية وخضراء وصفراء اختلاطا شكل تموجا يشي بالكثير من الحيرة والاضطراب ، هذا العالم المتموج من الألوان الباهتة يحيط ببناء قديم مغلق أبيض محاط بسور عال ، لا شيء فيه يدل على الحياة أو الانطلاق و الحرية. باب من قضبان حديدية متشابكة ، ونوافذ على شكل كوات صغيرة مغلقة بالحديد أو الخشب يختفي وراءها عالم غامض معتم موحش داكن لا يكشف عما وراءه من مجهول ، وأمام البيت خليط من ألوان كالسراب تنعكس عليها فتحات السور والبيت . وتشكيل البيت ومحيطه يوحيان بالسكون والموت والمحاصرة وزوابع الكآبة لا يطرد غياهبها إلا بياض ناصع للجير الذي طليت به الجدران، وهو بياض لا يقول شيئا غير فراغ لا منته ، يصعب فك لغزه تماما كما الحلم، غير أنه لا يخلو من الإحالة على عالم تطبعه القدسية والروحانية.
5- عتبة العنوان
رواية المباءة رواية فضاء موبوء بامتياز، تذكرنا برواية الطاعون لألبير كامو ، أو برواية المسخ لكافكا على مستوى التفاعل النصي والاشتقاق التناصي والحوار الروائي..
المباءة في اللغة اسم مكان على صيغة مفعل أضيفت إليها تاء التأنيث كمزبلة مثلا. وهي عبارة عن المنزل والمنزلة بصفة عامة؛ لأن الإنسان أو غيره يتبوأ فيهما مكانا ومستقرا متميزا، والمباءة أيضا تحمل الفعل والإقرار به، وهذا أصح في معلوم اللغة من غيره، لأن المنزل والمنزلة مرتبطان دلاليا بفعل مزيد هو” تبوأ” فيكون المتبوأ أدل على المكان ، والمباءة أوحى بما يدل على تحمل الفعل والاعتراف به، لكن نعت الكاتب لفاس بالمباءة يحسم الأمر ويعقده في نفس الوقت: “لقد أصبحت فاس مباءة كلها” أي مكانا ينتشر فيه الوباء، وهذا دليل على أن المباءة دالة على المكان. ومباءة الرواية هي فاس التي أصابها تحول غير وجوه ساكنتها من رجال ونساء وأطفال وصبايا. إنه طاعون المرض الذي شوه خلقة أهالي فاس وشوه جمالهم الذي كان يتغنى به أصحاب الملحون” الزين الفاسي” وهذا يقودنا إلى أن الكاتب أراد اشتقاق ما يدل على الفضاء من المصدر ” الوباء” فأخطأ الإجراء، لأن المكان من وبأ “موبئة”.
“متى تغلق علينا هذه الأبواب وننتظر موتنا على طريقة مدن الجذام؟ المباءة لم تغلق أبوابها علينا بعد، وعلينا أن ننتظر”
وقد تطبعت مدينة فاس الموبوءة بالتحول الغريب والتغير الفانطاستيكي القائم على المسخ والتشويه العجائبي، وقد عبر السارد على المسخ والتشويه بطريقة شعرية قائمة على التكرار والطباق والتقابل والتضاد والالتفات الزمني والتغير الإيقاعي في السرد: “والمدينة اليوم تتغير، تغيرت وجوه سكانها الشيوخ والشبان والصغار، النساء والصبايا، كلهم صارت وجوههم ذات تجاعيد حلزونية، مع انتفاخ باد. بقع ليست كالبرص ولكنها تشبه قشور صدف المحار. حلزون أو محار.؟ تحلزت الوجوه وغطتها طبقة من قشور منطفئة كأنها نبت القراد في جناح عصفور. الوجوه وحدها، وربما الأجساد تستر تحولها الجلدي تحت الثياب ولا يريدون أن يقولوا أن الجلد كله تغير. بدأ الداء الغريب ينتشر، وسموه مرض فاس أو مرض الفاسيين، وكان أول مالاحظه الناس هو اختفاء الضحكة وممازحات الباعة في الأسواق، ودلال الصبايا، ولعب الكرة في الأزقة الضيقة، وازدحام الطرقات. لاشيء من هذا. لم يعد من أحد قادر على الابتسام. والثرثارات ولعب الضامة والكارطة لم يعد لها من وقت أو خاطر. ثم بدأت المدينة تظهر بوجهها الغريب”.
وتدل عناوين الرواية الخارجية منها والداخلية على المكون الفضائي المغلق الذي يتسم بالموت والتقزز والعبثية والخوف والرعب والدرامية والتوتر والبعد الجنائزي والعذاب الإنساني وخطورة الداء. إنه يشبه فضاء العتمة الذي تحدث عنه ميخائيل باختين في شعرية الكاتب الروائي الروسي دويستفسكي ولاسيما في روايته المشهورة “الجريمة والعقاب”.
وينبني المكون الفضائي على ثلاثة مرتكزات أساسية يستضمرها العنوان،وهي::
فضاء المباءة الذي يحيل على الداء؛
فضاء السجن الذي يمثل العذاب؛
فضاء الضريح الذي يشير إلى الموت.
وهكذا يتبين لنا من خلال العنوان أن الرواية تشتغل على الفضاء تأزيما وتحريكا للأحداث عبر مسار البرامج السردية على المستويين: السطحي والعميق.
6- عتبة المعمار النصي:
تعتمد رواية المباءة لمحمد عزالدين التازي على معمارية ثلاثية قائمة على التوزيع الموضوعاتي للفصول:( الضريح، السجن، الضريح) . وهو معمار دائري مغلق في بنائه الحلزوني، تبتدئ فضائيا بالضريح وتنتهي إليه عبر فضاء السجن، أي من فضاء الموت إلى نفس الفضاء عبر فضاء التعذيب والتطهير والتنكيل ومصادرة الحقوق والكرامة والحرية. ومع نفس الشكل الدائري يطول الزمن الروائي. والأمكنة نفسها خاضعة لنفس اللعبة، يقول اليابوري، الضريح والمقبرة والمدينة ، أشباح لمآثر تنعكس على بعضها باستمرار، بل يمكن القول إن المدينة ليست إلإ مقبرة وسجونا أشبه بالمقابر ، ومجموعة أضرحة يفضي بعضها إلى بعض، ويحيل بعضها على بعض. والشخصيات في الرواية تعاني نفس المصير، سواء منهم المجانين أو المختطفين واليائسين، وتلف كل هذه الكائنات والأشياء ألوان شتى من الجنون، فهي تقوم بنفس الحركات كأنها خاضعة لقانون الشكل الدائري: شكل الطقوس الشعائرية البدائية. والدائرة كرمز تعني الانغلاق والجمود في نقطة الصفر (النهاية هي البداية) حيث لا يصبح الكلام حقلا للتواصل، ولا اللغة مكانا مفضلا للاستيلاء على الآخر في فضاء يسوده منطق السلطة في عناده وجموده، وهو ما ألجأ قاسم إلى الصمت ، أو ما يشبه الصمت إبان إقامته في المقبرة حتى عدّ من أشباه المجانين. .
7- عتبة المقتبسات:
يستهل الكاتب فصول الرواية أو أقسامها الثلاثة الكبرى بمقتبسات توضيحية. ففي بداية الفصل الأول نجد مقتبسا صوفيا لابن ضربان الشرياقي يتحدث فيه عن الإنسان العارف والفقيه المجذوب والرجل المتنور في عصرنا. فالعارف في زمن المباءة هو رجل الوجدان والحال وصاحب المقامات على الرغم من عماه أو سكوته. فالمعرفة اللدنية العرفانية لاتتم بالمحسوس المادي ولا بالعقل، بل بالقلب والمشاهدة الروحية. وبعد ذلك، يتحدث الكاتب عن الكأس الصوفية وانتقال قاسم من عالم الرؤية والحس إلى عالم الغياب والأحوال والمقامات الوجدانية. ويعقب هذا المقتبس الصوفي مقتبس فلسفي لنتشه فيلسوف القوة والوجود والرفض الذي أقر فيه بأن الإنسان المتفوق هو الذي ابتلاه الجنون والاشتعال الوجداني. وهذا ما أثبته باسكال عندما أكد عقلانية المجنون باعتباره أكثر الناس عقلا.
ويستهل الكاتب الفصل الثاني بمقتبس لنتشه، وهو مأخوذ من كتابه”هكذا تكلم زرادشت” طالبا فيه الرفاق أن يقتنعوا بمبادئهم ومواقفهم ويصلوا إليها عبر الإبداع والمغامرة الشخصية لا أن يكونوا نسخا مستنسخة أو عقولا مطبوعة بمواقف الآخرين..
وينهي الكاتب الرواية بمقتبس فلسفي لنتشه يضعه في مستهل الفصل الأخير ” الضريح” ليتحدث بلسان الشعب التزاما وتعبيرا عن قضاياهم في مواجهة تأنق البورجوازيين ونفاق الأسياد..
وهكذا نجد الكاتب يمزج الخطاب الفلسفي بالخطاب الصوفي، أو ماهو وجداني بماهو عقلاني على مستوى المقتبسات النصية استشهادا وتوضيحا وبيانا وتأكيدا وإحالة وترميزا علاوة على جمعه بين خطاب الروح اللدنية وخطاب القوة الوجودية. وأصبحت ظاهرة المقتبسات النصية من سمات الرواية الحديثة، وبدأت تظهر في كثير من النصوص الروائية الجديدة والمعاصرة ،ولاسيما روايات بنسالم حميش في رائعته: “مجنون الحكم”.

القراءة التحليلية
1- تتبع الحدث.
– المتن الحكائي أو القصصي:
تصور الرواية مباءة الفضاء والأشخاص، وتركز على قاسم الورداني الذي اشتغل مدة سبع عشرة سنة مديرا للسجن المدني بفاس، بعد أن خاض حروبا في الهند الصينية دفاعا عن العلم الفرنسي وعالمه الإمبريالي. وقاسم معيل أسرة تتكون من زوجة اسمها رقية وابنة تسمى منيرة وولد اسمه منير. يسكن داخل السجن بجوار “باابرهيم” والمقتصد الذي كان ينهش عظام المسجونين حيث يأخذ طعامهم ويدخله إلى منزله دون أن يتدخل المدير أو أن يقف في وجهه باعتباره رئيسه الأعلى . كره منير وظيفة أبيه لأنه كان ينظر إليه على أنه سجان الآدميين يصادر حقوقهم ويقوم بتعذيبهم دون رحمة أو رأفة. كما كان منير ينفر من الفضاء الموبوء المميت الذي كان يوجد فيه منزلهم وسط السجن باعتباره فضاء عدائيا يثير اشمئزاز الآخرين وامتعاضهم منه، وكانت علاقة منير بأبيه علاقة صراع وجدال وتناقض حول الكثير من القضايا أهمها: قضية النضال والسعي الجاد إلى تغيير الوطن الموبوء على جميع الأصعدة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الأمن والرخاء والسعادة المطلوبة والدفاع عن حريات الإنسان وحقوقه الطبيعية والثقافية المشروعة التي أقرها الإسلام ونصت عليها مواثيق حقوق الإنسان الدولية والعالمية. بيد أن أباه كان يعارضه في كثير من النقط ويغضب أشد الغضب عندما تثار المسائل السياسية ولاسيما مهنته التي كانت تزعج منير وتنغص عليه حياته. لذا كان منير يحاربه ويجادله ويهدده بترك المنزل والانضمام إلى الرفاق ومناضلي الكلية، ولم يصبح الأمر مأساة إلا عندما عاد منير بعد غيبة طويلة. رجع وجسمه منهوك، وجسده ملوث بتعذيب لايتصور. لقد عاقبوه وصادروا حريته وشوهوا جثته حتى أصبحت فخذاه لاتقدران على الحركة والمشي. في جسده حروق وتشوهات من شدة ألم الاستنطاق والتعذيب اللاإنساني. ولم يرض الأب بهذه الدراما الوحشية الفظيعة. ولم يفق إلا على مأساة أشد هولا، الطالب اليساري بالأمس يصبح أصوليا متطرفا يكفر أباه ويواجهه بسكين، يختطفه أمراء الجماعة ويعذبونه لرفضه تزويج أخته لزعيمهم فيعود إلى البيت شبح إنسان، واهي الجسم والعقل معا. ويذهب قاسم إلى الرباط ليحضر اجتماعا وهو يحمل بين جنبيه كل ذلك الألم. وهناك في الفندق أصابته لوثة جنونية وهذيان أفقد رشده وعقله. وخرج من الفندق هائما على وجهه، وأثر غياب قاسم على الأسرة، إذ أبعدت من بيتها داخل السجن، إلى دار قديمة حيث خال رقية زوجة قاسم، وانسلخ قاسم من هذا العالم الموبوء، وارتحل إلى الضريح حيث الزاوية لينضم إلى عالم الموتى والمجانين المقيدين بالسلاسل ينقش شواهد الشرفاء والراحلين إلى عالم الفناء والفضاء الأخروي
وأصبح لقاسم عالم آخر عالم الروح والتصوف والأحوال، يعيش مع الحروف والأرقام والقطط والموتى يناجي الذات المعشوقة ، وفضاء الولاية المقدسة مترددا بين قيم الطهارة والدنس أو بين سمات العالم الموبوء وعالم الجذبة والأوراد وتراتيل الصوفية العارفين بالله. وهكذا يرحل قاسم في الأخير من عالم المادة إلى عالم الخلوة والحضرة الجنونية والمغيب الرباني. ويجتاح الوباء فاس فيصيب الناس كلهم بمن فيهم قيم الضريح التهامي المنافق الفاسق، إلا قاسم مول القطوط الذي يسترجع حريته وإنسانيته بعد تخلصه من مباءة الأوحال والأدران والأمراض المادية، وانغماسه في عالم البركة والولاية وفضاء الأرواح وعشق الحروف وبياض الرخام وصفاء الوجدان وطهارة الأعماق.
2-  الحبكة:
لاتعتمد المباءة، على حبكة تقليدية، فتطور الأحداث لايتم دائما انطلاقا من العلاقات السببية بين مختلف الوضعيات ومجموع التحولات، بل يتم عبرمجموعة من العوامل والآليات المتشابكة، يمكن رصد بعض منها كالآتي:
– الترابط النطقي: حيث يمكن تتبع ثلاث وضعيات كبرى خاضعة لهذا الترابط.
* وضعية المقبرة الناجمة عن لوثة جنون اعتزل إثرها قاسم بدون وعي منه عالم الناس ومنهم عائلته، والجنون ناجم عن تراكم أحداث مأساوية فاقت قدرة قاسم على التحمل، فذهب التفكيرالمضني فيها برشده. وهذه الوضعية هي وضعية تحول بدأ بها الكاتب سرده للأحداث مكسرا تسلسلها الزمني المنطقي، وتسبقهامنطقيا وضعية السجن.
* وضعية السجن: سعيا من الكاتب إلى خرق التتابع المنطقي الكلاسيكي لشكل السرد، بدأ الرواية بوضعية التحول، ثم عاد إلى لحظة البداية المنطقية في الفصل الثاني حيث فضاء السجن ومهنة الأب سببان في معاناة منير الطالب الذي يبحث عن هوية فكرية داخل فضاء الجامعة، تلك المعاناة التي سببت لقاسم مأساته هو الأخر.
* وضعية النهاية: حيث قاد التحول الأحداث إلى نهاية لاتخلو من درامية ومأساوية، إذ عاد قاسم إلى العائلة، لكن عن أية عودة نتحدث، لتبقى النهاية مفتوحة لمتخيل القارئ.
– الحضور الفني: ويربط بين وضعيتين مختلفتين يدفع الأحداث داخلها إلى الأمام تارة وإلى الوراءأخرى، ويتعامل مع وضعية الأزمة ووضعية التحول تعاملا رمزيا متعاليا لغته الوشم أوالنحت والأشكال والرسوم والحروف والألوان، وموضوعه الطيور والثعابين والدينصورات، والكلمات والأرقام والفراغات……
– النقاش الفلسفي والسياسي: شكل هذا النقاش رابطا أساسي بين الأحداث والأدوار التي تقوم بها الشخصيات، وكشف عن أنواع من الصراع بين المواقف ساهم في تحريك الحدث [النقاش بينهم وبين منير والتهامي والشرفاء والقطط،وبينه وبين ذاته واستحضاره لقيمة الأموات السياسية والاجتماعية والدينية والأخلاقية…..] – الحوار الثنائي والحوار الداخلي (مناجاة الذات): سواء بين قاسم ورموز العالم الموبوء ( التهامي ـ الشرفاء ـ النساء …) أو بينه وبين القطط ، وهو حوار تفتقت فيه الكثير من المواقف ، وقاد إلى جملة من التحولات، كما أن الحوار الداخلي أسهم في هيام المخيلة وتشكيل أحداث غير واقعية ، لكنها مرتبطة على صعيد الموقف بأحداث يتم الإيهام بواقعيتها [ تخيل قاسم جنازته والقطط تشيعها و” با إبراهيم ” يدفنه…] – التأمل الشاعري: يستغرق فيه السارد في تصويرالأشياء حوله تصويرا مشبوبا بأوصاف إنسانية شفافة تنبئ عن موقف من الوجود والقيم والجمال (الرخام صعب، حساس ورقيق، لايحب الكذب والنفاق….قلبه أبيض، وظاهره أبيض..قلبه نابض بالحياة وشرايين دمه تنبض….).
– الوصف: وخاصة وصف الفضاء الموبوء سواء تعلق الأمر بالسجن أو الضريح أو فاس أوالبلد الموبوء بكامله، ووصف فضاء التطهير كعالم الخلوة الروحية وعشق الحروف وبياض الرخام.
– الذاكرة التاريخية والواقعية: حيث ربطت الأحداث المستقاة من الذاكرة بين الفضاءات والمواقف وأدوارالشخصيات (النضال والوطنية والخيانة – الفتوح وعجيسه وصراعها ـ التحول بعد الاستقلال وشكل السلطة – الممارسات داخل السجن ـ التيارات السياسية بين اليسار الراديكالي والأفغان المغاربة…)
– قلق الكتابة والشخصية المركزية والفضاء المغلق والزمن الدائري:
نص المباءة ، سواء من ناحية التجريب، أومن ناحية التشديد على تقنية الكتابة في نطاق ما تم التعبير عنه بـالرواية الجديدة أو اللارواية يعمد إلى تكسير خطية السرد، ويعتمد ما يمكن أن ندعوه دائرية السرد. ولذلك تبدأ الرواية بـالضريح وتنتهي بـالضريح، موازاة مع مفردة الحرف التي تستهل وتنتهي بها الرواية أيضا. بل إن مفردة الحروف تبدو في شكل نواة النص أو مركزه الدلالي ، وهي فكرة تقع في صميم الرواية الجديدة. مركز يبدو أشبه ما يكون بـالنقطة في الدائرة، ولذلك أمكننا أن نفهم انتشار هذه المفردة على مدار النص بأكمله، كما يعمد إلى فتح الحدث على معارف عديدة هي: التاريخ والثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا والأسطورة؛ غير أن هذه المعارف تحضر باعتبارها فضاءات للتخييل وليس للتحقيق . ورغم دفق السرد واسترساله وانسيابيته، فإنه يمكن استخلاص الحكاية في نص المباءة، ثم إن هذه الحكاية تنطوي على بداية ونهاية مغلقة على شاكلة الرواية التقليدية.
يمكن تلخيص الحكاية الإطار، في نص المباءة، ودون أن نتغافل عن مساوئ التلخيص، في شخصية قاسم الورداني المحورية في النص. وقد كان هذا الأخير مديرا لسجن، غير أنه جن تحت تأثير تحولات أسرية ومجتمعية عنيفة ، مما جعله ينتهي إلى العيش مجنونا ومجذوبا في ذات الوقت داخل غرفة من قبر ونصف قبر مجاورة لغرف في ضريح يقصده الناس من البسطاء للتبرك والعلاج. وقد آثر أن يعيش وحيدا منعزلا ولا صديق له غير القطط أو شعب القطط كما كان ينعتها في مملكته مملكة الجنون. ولم يكن يتحرك إلا إلى مقبرة القبب وبدافع من عمله المتمثل في كتابة شواهد القبور. وقد كان يكره ما يعطى له ليكتبه وينقشه بـإزميله على الألواح البيضاء، بينما ينتشي انتشاء مطلقا بفعل التخطيط أوالكتابة ذاتها. من هنا منشأ حكاية البياض وقبل ذلك حكاية الحروف باعتبارها عوالم خلاص أو وطنا بديلا. الحروف التي يقول عنها السارد: ” يحفر حروفا على الرخام ـ الحروف تقترب وتبتعد ـ حرف يقترب من الآخر ـ حرف يدخل في آخر من خلف أو أمام حرف يميل وآخر يسيل ـ حرف أشمٌ يرفع هامته فوق كل الحروف ـ حرف يشتهي الحرف وحرف هو الاختراق الشبقي المحترق بلذّة ألمه الدامي” (ص 16 )
ولعل أبرز ملمح في نص المباءة، بل وفي نصوص التازي عامة، هو ملمح المكان الذي يستأثر بباقي مكونات النص. والمكان بغير معناه الهندسي، وإنما بمعناه المبلور في الدراسات ذات الصلة بما يطلق عليه الجغرافيا الثقافية. وكما قيل فالرواية جغرافية في الأساس، إضافة إلى أن المكان يكشف عن تشكل المجتمع فضائيا. ويكتسب أهمية بالغة، بل يمكن اعتباره مصدر تشكل النص. والمكان يأخذ صفة مدينة تأخذ بدورها صفة شخصية محورية. وليس من الغريب أن يحفل نص المباءة بفضاء مدينة فاس التي لا تشبه باقي المدن المغربية. غير أن هذه الفاس، ومن حيث هي فاس التازي، قادت السارد إلى التشديد ــ في دنيا التخييل ــ على ثلاثة أمكنة فرعية كان قاسم يتحرك في إطارها، وهي: المقبرة (مقبرة القبب، وقد سلفت الإشارة إليها) والضريح (ضريح مولاي بو غالب) والسجن (سجن عين قادوس). والعلاقة بين هذه الأمكنة ليست علاقة حدود، وإنما هي علاقة تداخل أو علاقة وجود.
3- الرهان
– الهدف (الرهان) من إظهار هذه الأحداث في الرواية هو إبراز الحالة المأساوية التي بلغها الواقع في مدينة فاس على الأصعدة جميعها: الأسرية والاجتماع والسياسة و النفسية. أما انتشار المرض فقد كان له دور تعميق هذا الواقع المأساوي لأن تفشيه في مدينة فاس جاء مكسوا بملمح ترميزي.
– مغزى هذه الأحداث يبقى مرتبطا بالإمكانات التأويلية للمتلقين، لكن الغاية التي يمكن أن تفهم لدى تتبع وقائع الرواية هي الاحتجاج على هذا الواقع المأساي، والتحسر على القيم الإيجابية التي كانت فيه ولم يعد لها دور أساسي في الحاضر. والرواية بعد هذا تريد أن تبحث عن قيم بديلة ممكنة لتجاوز حالة الواقع المرسوم بكل مافيه من إحباطات وخيبات.
4- دلالات الحدث وأبعاده
أبعاد الحدث في النص متشابكة حيث تبدو فاس، مدينة ما بعد كولونيالية، مما يسمح بنوع من الحديث عن النص ما بعد الكولونيالي في رواية المباءة. ويتشكل هذا النص من خلال المكان ذاته ، وبدءا بفضاء المقبرة الملطخ بـموتى خانوا وطنهم فكانوا أعوانا للاستعمار ، مقابل موتى قتلوا برصاص الاستعمار الفرنسي. موتى عاشوا حياتهم متصوفة أو زنادقة… (ص19). وكأن محمد عز الدين التازي، بإشارته إلى هؤلاء الموتى من الخونة، يعيد إلى الأذهان تلك الفكرة التي تتحدث عن أولائك الموتى ممن يستحقون القتل. وكما يمكن أن نستخلص إحدى سمات الأدب ما بعد الكولنيالي، في نص المباءة، من شخوصها الهامشيين الذين يأويهم الضريح، وجميع هؤلاء ، وتبعا لتوصيف السارد ، من أرتال الفقراء والمخبولين والعرج والعميان والسكارى والقتلة العتاة وباعة السجائر المهربة… وجميعهم يدخلون ساحة الضريح، ليجلسوا في انتظار قصعات الكسكس. وكل ذلك موازاة مع حلول المساء حيث تكتظ ساحة الضريح بنساء منكودات، مطلقات أو رجالهن محكوم عليهم بالسجن، أو عجائز يشعرن بالضيم من أولادهن وزوجاتهن وأزواج بناتهن (ص 31) فإننا لا نتغافل عن كون قاسم بدوره يتحرك في الدائرة ذاتها حتى وإن كان يتفرد بـبركته بين هؤلاء المهمشين. ويمكن أن نؤشر على ما يعرف ، في نظرية خطاب ما بعد الكولونيالية ، بـالهجنة التي تعد ملمحا بارزا في آداب ما بعد الاستعمار، وبصددها نستحضرقول السارد عن مدينة فاس: عراة يدخلون المدينة من باب الفتوح، صخب سيارات النقل إلى الضواحي والمدن في محطة المسافرين. رواد سينما الأندلس مشدودون إلى ملصقات الأفلام الأمريكية والهندية، المتسولون وماسحو الأحذية وباعة الحلويات والأطعمة، شواؤون يشوون الأمعاء المحشوة وكفتة لا يدري أحد أهي من لحم حمار أم من لحم آخر… (ص26 )
وفي السياق نفسه تحفل رواية المباءة بإشارات كثيرة إلى الاستعمار من مثل: أنا أتذكر أيام بوحمارة وأيام العز واللويز آمولاي عبد العزيز. ومولاي عبد الحفيظ قالوا هو الذي وقع مع النصارى عقد الحماية (ص26). وغير ذلك من الإشارات إلى المخزن وأيام السيبة… إلخ. ثم أن بطل الرواية قاسم الورداني بدوره ساهم في المقاومة، بل إنه قتل معمرا بمسدسه الذي كان دائما تحت جلبابه (ص85). يقول قاسم لابنه منير في لحظة اشتد فيها الحوار واتسم بصراع الأجيال: لقد قلنا رأينا في الاستعمار، وجاء جيل جديد ليقول رأيه في الاستقلال (ص 85). غير أن ما يلفت الانتباه أكثر هنا هو السجن الذي انتهى قاسم إلى إدارته، بل إنه لم يكن يتصور أن تكون هناك سجون في مغرب ما بعد الاستقلال. يقول: ولم أكن أعلم أن السجون بعد استقلال المغرب سوف تصبح لمعتقلي الرأي، من حزبيين معارضين للسلطة، ومن طلبة ومثقفين (ص 81). ومعنى ذلك أنه ثمة خيبة فيما يتصل بـالدولة الوطنية التي علق عليها أبناؤها من الوطنيين آمالا عريضة في فترة الاستعمار القاسية. وفي هذا الصدد يمكن التشديد على الإشارات المقتضبة إلى قاسم مع الزعيم المهدي بن بركة أثناء حدث طريق الوحدة التي سعى من خلالها هذا الأخير، في مقدم الاستقلال وعلى وجه التحديد في صيف عام 1957 ، ورغم تنكر التاريخ الرسمي ، إلى وصل أطراف المغرب اعتمادا على اثني عشر ألف شاب، مستلهما في ذلك تجارب بعض الدول الاشتراكية كالصين والاتحاد السوفياتي في توظيف طاقة الشباب من أجل تنفيذ مشاريع اقتصادية واجتماعية كبيرة. تقول ابنة قاسم منيرة عن الصورة: وصورة يظهر فيها الوالد عاري الصدر، يرتدي الشورط، وفي يده فاس، وهو يهم بان يحفر الأرض، كان قد قال لنا عنها إنها قد التقطت له عندما كان متطوعا في بناء طريق الوحدة (ص 110)
ويمكن إدراج إشارة السارد إلى المهدي بن بركة ضمن خطاب ما بعد الاستعمار؛ ذلك أن المهدي الذي كان وراء فكرة طريق الوحدة ، والذي كان واحدا من بين أهم ما ينعت في خطاب ما بعد الكولونيالية بـالمناهضين للاستعمار من الثوريين، سرعان ما سيصطدم بـالدولة الوطنية التي ستضطره إلى مغادرة البلاد نجاة بجسده وسعيا منه إلى مواصلة نشاطه الثقافي والسياسي في سياق أوسع . ومن ثم أن يكون لقاسم مع المهدي بن بركة صورة، أو بالأحرى أن يحرص السارد على استحضار هذه الصورة، معناه الدخول في نوع من التخييل المضاد لما هو مستقر على مستوى الأنساق الناظمة للمغرب السياسي.
على أنه سيكون من باب المتاهة القرائية أن يتم تلخيص المكان ، الذي يشكل نواة المراكز الدلالية ، في نص المباءة في خطاب ما بعد الاستعمار فقط. وفي هذا الصدد ثمة نوع مما يمكن نعته بـعنف المتحول على صعيد المجتمع، وهو عنف مشدود إلى السرد الذي تنتظم في إطاره الرواية. العنف الذي تترجمه، في النص، تيمات مثل الجنون والاغتيال والاعتقال والجنس (البائس) والأصولية الدينية. وكل ذلك في المنظور الذي يمكن، من خلاله، التشديد على ما ينعت في العلوم الاجتماعية بـالجدلية الاجتماعية المشوهة التي يترتب عنها، على التوالي، الشيء ونقيضه. وفي هذا الإطار تتوجب الإشارة إلى انقلاب الابن منير من الماركسية إلى التطرف الديني، الذي يبلغ ذروته حين يسعى الابن إلى قتل الأب قاسم، لا بدافع من الأوديب الفرويدي، وإنما بدافع من التطرف الذي يشرحه السارد على لسان الابنة منيرة حين تقول: جرحه الكبير وهو الذي لم يترك الصلاة ولم يتخل على شهادة أن لا اله إلا الله، محمد رسول الله، أن يأتي ولده منير ليكفره، ويقول له إن صلاته وتوحيده بالله نفاق وزيف، ثم يشهر السكين ليقتله، معتقدا انه يجاهد في كافر، (ص 109). هذا بعد أن كان منير، وفي لحظات الحماس الطلابي، ومعه منيرة والأم المتواطئة من بعيد، يرفض العيش في منزل داخل سجن يأوي زملاءه من الطلبة اليساريين. وفي ظل مثل هذا الوضع الضاغط ليس من الغريب في شيء أن يفقد قاسم عقله في أثناء تواجده بالرباط من أجل مهامه الإدارية. ويختار السارد لذلك شخصية (عيشة قنديشة الأسطورية) التي نفذت من تحت الباب وألقت بذلك العطر الذي جعل قاسما يخرج من الغرفة عاريا يجري في شوارع الرباط. ومن ثم سينتهي إلى العيش في غرفة في الضريح على نحو ما سلفت الإشارة إلى ذلك من قبل. غير أن إقامته في الضريح لا تنطوي البتة على أي نوع من المدلول الديني المحض، فهو لم يأت إلى العالم من فراغ، بل إنه أتى إلى العيش بين المقبرة والضريح، بعد محنة… (ص 55). ومن ثم ليس غريبا أن تكشف إقامته عن تداخل المقدس والمدنس في سياق اجتماعي أوسع يستوعب الديني. وإقامته في غرفة من قبر ونصف قبر أول ما يكشف عن المدنس. كما أن التهامي المسؤول عن الضريح يكشف، وبشكل أكثر حدة، عن المدنس. يقول السارد: كان التهامي يمنع قاسما من دخول المقام عندما يراه يهم بالدخول. يقول له أنت غير متوضئ ولا صلاة لك، والمقام طاهر. فكان قاسم يرد على التهامي بأنه نجس أبدا ومع ذلك يدخل المقام، ويحذره من أن يفضح أمام الناس ما يفعله بالنساء ليلا، عندما يأتي إلى الغرف ملفوفا بالبياض، موهما إياهن أنه الولي وقد نهض من مقامه وجاء إليهن. (ص 50)
وفي السياق نفسه إذا كان التهامي نموذجا لـالطمع والجشع والاستغلال، وغير ذلك من الأشكال التي تلطخ الأضرحة والمناسبات الدينية، فإن قاسما نموذج للمجذوب أو مُولْ لْبَرَكًة كما ذاع صيته، وخصوصا بين النساء من الزائرات للضريح طلبا لـالتبرك والعلاج. أجل إن بركته لا تفارق ما ينعت، في دراسات البركة والتصوف، بـالنمط النعيمي؛ غير أن هذه البركة لا تسير في اتجاه خدمة القدسي. فـطالبو البركة، أو بالأحرى بركته، هم من القطط التي يغدق عليها جميع الأموال التي يجمعها من نقش الشواهد. وكم من أبواب يفتحها تكاثر القطط كما قال فكتور هيجو. غير أن قطط قاسم لا تخلو من دلالات رمزية لافتة. وفي مقدم هذه الدلالات أنها تتسم بمبدأ النقاء أو الصفاء: صفاء أو نقاء الهوية، طالما أنها لم تختلط ــ وخصوصا داخل فضاء المقبرة ــ بـالجن أو الشياطين. إضافة إلى أنها تحمل أسماء دالة على جنسيات أو ثقافات مختلفة، موازاة مع دياناتها المختلفة إذ نجد فيها النصرانيات واليهوديات والمسلمات. إنها ملل ونحل أو شعب كما كان يقول عنها قاسم نفسه. ولعل في ذلك ما يشي بنوع من التسامح الذي أراد قاسم أن يشيعه من خلال عالم القطط وأن يرد به على ما كان قد لاقاه من قبل في محيطه العدائي اللاهب.
واللافت للنظر، وفي خطوة دالة على البركة المعكوسة، أن يحرص قاسم على اقتناء الكفتة والبوفتيك والهبرة لـشعب قططه بدلا من الرية أو الكرشة كما جرت العادة مع القطط المدجنة المحظوظة. يقول السارد: (قطع الجزار الهبر وقال: ” قدمه لقطك مشويا على نار الفحم”. فرد عليه قاسم: ” نصائحك وفرها لنفسك” (ص 40).
إن إصراره على أن يزود قططه اللحم نيئا لا يخلو من دلالات أنثروبولوجية أسطورية تعيد إلى الأذهان دراسة الأنثروبولوجي كلود ليفي ستراوس حول النيئ والمطهو ، فالنار تحيل إلى السياق الأسري والاجتماعي اللاهب الذي كان وراء جنون قاسم، ولذلك فهو يرفض هذه النار سواء كانت، وبلغة غاستون باشلار في كتابه النار، حلوة معتدلة بلسمية وطاهرة، أو عنيفة وعنيدة. وحتى إذا ما فكر قاسم في تلك النار غير المرئية أو الرحيمة فلن يحيد تفكيره عن دائرة الأنثروبولوجي الأسطوري حيث الضحية من القطط. ولذلك فقد فكر قاسم في ذبح القطط، ذبحها كلها من أجل أن يسلخها ويخيط من جلدها ووبرها لباسا يكون له كساء في ليالي المقبرة الباردة وغطاء في ليالي غرفة الضريح الباردة (ص 56 ) . وثمة مشهد آخر لا يحيد عن النيئ، ويتعلق بمشهد الدم الكامن في الدورات الدلالية للنص. ويرتبط الدم بالعيد الكبير الذي يشكل قدومه رعبا للقطط حيث تكون مجبرة على الرحيل من الضريح إلى مكان مجهول، وإلا طاردتها لعنة العيد على غرار ما حصل لأحد هذه القطط. ويتكرر مشهد الدم في لحظة الوباء الذي أصاب المدينة بأكملها حيث هرع الجميع إلى ذبح الأضحية التي سيتنافس عليها ألف ولي من أولياء الله ممن تحيط أضرحتهم بضريح مولاي إدريس. يقول السارد: مرة أخرى استعدت فاس لأن تجري الدماء في طرقاتها ودروبها… (ص 133). ولن يخلو المشهد من عودة للمدنس حيث بدا التهامي خادعا وهو يخطط لحصول الضريح على أكبر الذبائح، في منافسة محمومة مع أضرحة أخرى منها ضريح مولاي إدريس… غير أنه لا ينبغي حصر دلالات الحدث في الترميز الأسطوري والأنثروبولوجي في صلتهما بالذهني، فثمة مجال التاريخ الذي يمتاح منه نص المباءة. ولا يكمن التاريخ في الإشارات المتكررة إلى الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية التي سلفت الإشارة إلى البعض منها، وإنما يكمن في تسمية المباءة ذاتها ، ففكرة المباءة تحيل إلى ما يعرف بتاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وخصوصا في القرن التاسع عشر ، وفي جميع الأحوال فإننا لسنا بصدد الحديث عن التاريخ، وإنما قصدنا إلى تناص نص المباءة مع التاريخ، حتى وإن كان هذا التناص لا يرقى إلى الاندغام في خرائطية الكتابة• هذا إضافة إلى أن التاريخ، وهو ما نلمسه في نص المباءة، ليس سوى مجال للتخييل ، وفي هذا الصدد أمكننا أن نفهم نجاة قاسم بمفرده من الجنون الذي أصاب المدينة بأكملها، ناهيك عن إمكانية النظر إلى هذا الأخير باعتباره مرآة لـذات المبدع المتشظية في دنيا الكتابة والإبداع.
5- القوى الفاعلة:
عرف رولان بارت الشخصية الحكائية بأنها (نتاج عمل تأليفي)، وهذا يعني أن رسم صورتها الكاملة في النص لايتم إلا بطريقة تدريجية من بداية ظهورها إلى نهايته، وذلك حسب مقدار حضورها في العمل. لذا لايمكن تكوين فكرة واضحة عنها إلاعندما يطلع القراء على كل ما تتمظهر به من أقوال وأفعال، وكذلك ماتقوله عنها الشخصيات الأخرى، ومايقوله السارد. من هذا المنظور يمكن تحديد أهم القوى الفاعلة في النص على الشكل التالي:
أ)- قاسم الورداني:
من الطبيعي أن نبدأ بالحديث عن الشخصية الرئيسية في الرواية باعتبارها أبرزمن يمثل القوى الفاعلة في النص، وهي ممثلة كما أشرنا في قاسم الورداني. وتتحدد مركزيتها في كونها:
– تتميز بحضور دائم في مجموع أقسام الرواية.
– تنفرد بالاهتمام المركزي في قسمين من الرواية هما القسم الأول والقسم الثالث، ويشكلان أكثرمن مائة صفحة من إجمالي صفحات الرواية البالغ عددها 153 صفحة، وهذا يعني أنهما يمثلان ثلثي الرواية، مع العلم أن لشخصيته قاسم حضورا بارزا أيضا في القسم الثاني إلى جانب الشخصيات الأخرى.
– يتداخل صوتها في كثيرمن مواقع الرواية مع صوت السارد، مما يدل على أن زاوية نظره تفرض انحيازا خفيا لمواقف وآراء هذه الشخصية في الرواية: “…وقاسم لايحب الأرقام التي بها يؤرخ للميلاد والوفاة سواء أكانت هجرية أم ميلادية فهو لايحبها، أنالا أحبها” (ص17). هذا المزح بين صوت السارد والصوت الشخصية الرئيسية مؤشر دال على التواطؤ الحاصل بينهما. واستعمال هذه التقنية كان ملحوظا في الروايات الررومانسية العربية. وهو تعبير في الوقت نفسه عن تداخل ” الرؤية من الخلف” مع ” الرؤية مع ” وخاصة في القسمين الأول والثالث المشار إليهما.
– تتناوب شخصية قاسم السرد مع سارد غير مشارك في الأحداث:
صوت السارد= (انتبه التهامي إلى أحدهم وهو ينادي على قاسم في هذا الصباح الباكر….).
صوت قاسم= (.. أنا الآن أجول في المقبرة.. فأين قبر الفتوح بن دوناس وهل جفت يده من دم أخيه عجيسة).
فهذه الخصائص كلها تعتبر مؤشرات واضحة على ميل الرواية نحوالرؤية المونولوجية التي يتماهى فيها السارد بالشخصية الرئيسة رغم محاولة تطعيم تلك الرؤية في القسم الثاني بالرؤية الحوارية.
أما أهم خصائص هذه الشخصية فهي:
– غرابة الأطوار من جهة: فقد أريد لهذه الشخصية أن تكون غربية الأطوار: فلا هي بالسوية ولاهي( بالمخبولة) بشكل تام. فالحالتان معا تتناوبان عليها:
– (قاسم يتبعه شعب من القطط الجائعة وهو يشتري لها اللحم من الجزار ويطعمها)
– (قاسم يسكن منعزلا بضريح سيدي بوغالب بجوار القبور حيث تجتمع غرابة الحياة ووحشة المكان. وهنا تلتقي الرواية دون شك مع الصورة المضببة الموحشة المرسومة على غلافها).
– قاسم يرسم على جسده أصناف الصور: (رسم على صدره وذراعيه قططا وأفاع وجماجم وتفاحات حمراء وأسماكا وديناصورات وقبورا وأبوابا للمدن وسجونا ووجوها بشرية لها وجوه البوم ثم أخذ يجول في وسط الساحة مختالا وكأنه يعض جسده أمام النساء.)
– (قاسم الذي راود ته “عيشة قنديشة” عن نفسه في أحد فنادق مدينة الرباط فهرب عاريا إلى الشارع المدينة)
– (قاسم يرتدي بذلة من أوراق الجرائد القديمة مطلية بالزعفران ويتجه نحو المدينة تتبعه قطط).
– الاتزان من جهة أخرى: قاسم النقاش على الرخام. يطوع الحرف ويرسم المعاني والدلالات وينجز المستحيل: (هذه حروفي وأنا أكونها بالإزميل.. لاتنس “يقصد الحرف” أن تحرك الساكن وتفتح المغلق وتبدأ مما لم يبدأ وتقول مالم يقل وتروض لحظة الدهشة..)
– (قاسم العاقل الذي يتخذ فقط مظهر المجذوب) و(يكون قادرا على أن يسخر من المقدم المحتال).
الخاصية الأساسية التي تميز قاسم هي إذن الإنشطار الذاتي وقد صاحبتها هذه الخاصية في مجموع الرواية وانعكست على مواقفها وأحوالها. و اللافت للنظرأنها كانت واعية بانقسامها: (أهذا أنا ؟ كل هذا في دواخلي وأنا لا أعرف ؟ أين يرقد كل هؤلاء الأشخاص في أعماقي؟ الآن أكتشف السفاح وغدا سوف أكتشف أشخاصا آخرين في شخصي (…..) ولكن أحي أن أجد قاسما الطاهر والآخر العاشق، وقاسما الوطني المناضل ضد الاستعمار وقاسما صديق الطيور والحيوان والرسوم والألوان.)
ب)- منير الورداني:
هو الإبن الوحيد لقاسم الورداني:
تتميز شخصية منير بأنها متقلبة القناعات تفتقد إلى كثير من التماسك الذاتي، فقد انضم إلى تنظيم طلابي ماركسي وكان متعاطفا مع طلبة هذا التنظيم الذين كاناوا رهن الاعتقال بالسجن الذي يديره أبوه، كما كان يستقبلهم أحيانا في بيت أبيه سرا.
اختطف منير وعذب فبدا أنه فقد قسطا من كرامته وثقته بنفسه، لذا قطع صلته على الفور بالتنظيم الطلابي السابق وانضم إلى تنظيم أصولي يعد نقيضا تاما له. ويتجلى ضعف هذه الشخصية أيضا في محاولة منير قتل أبيه لأسباب غير بارزة في النص، وحين أحبط الوالد محاولته عجزعن النظر في وجه وأجهش بالبكاء.
يتطور تدهورهذه الشخصية السلبية بسرعة كبيرة في الرواية عندما تختفي مرة أخرى، ولم يمض أكثر من شهر واحد على انتمائها الجديد. هكذا نراها تعود إلى المنزل مرة أخرى في حالة أسوأ مما سبق، فقد تعرضت بوظائفها للتعذيب من قبل أعضاء التنظيم إلى أن فقدت عقلها وأصبحت عاجزة عن القيام بوظائفها الطبيعية:
(.. وهكذا، فقد بقي منير، رقية تلبسه الملابس وأنا أغسل جسده في الحمام ومنيرة تطعمه بيدها في فمه وهو يجلس معنا على مائدة الطعام ناظرا نظرته تلك نحو العلاء ووجهه مائل إلى اليسار باسما للفراغ.) وتبقى حالة منير هكذا إلى نهاية الرواية.
ج)- منيرة الورداني:
هي البنت الوحيدة لقاسم الورداني. ورغم أنها من الشخصيات الأساسية في الرواية إلا أنها أقل أهمية من أالشخصيتين السابقتين. ووجودها في النص له دور في إلقاء مزيد من الضوء على شخصية الأب والإبن وبعض التنظيمات السياسية والطلابية:
– كما أنها تعرضت هي الأخرى للتحرش من شخص أصولي يدعى حفصا يريدها محجبة وزوجة له تحت التهديد.
– مثلت صوتا إيديولوجيا في الرواية عندما تحدثت عن ذكرياتها وإعجابها بشخصية المهدي بن بركة وتياره الثوري.
إن شخصية منيرة، على خلاف منير، تمثل الانسان الواقعي الذي يسعى إلى البحث عن العمل والاستقرار بعيدا عن عالم السياسة، لكنها أنيطت، مع ذلك من قبل الروائي، بدور بلورة موقف الرواية الإديولوجي ذي التوجه اليساري الديمقراطي دون أن تكون منخرطة بالفعل.
د)- رقية زوجة قاسم الورداني:
دور هذه الشخصية باهت في النص، ومع ذلك فهي تمثل الأمومة النموذجية المميزة بميزتين: (التضحية ورعاية الأبناء، – الإخلاص التام للزوج ).
ه) هناك شخصيات أخرى ثانوية ولكنها تؤدي أدوارا معينة في النص، تذكر منها:
– إبراهيم عون السجن الوفي الحريص على تنفيذ تعليمات رئيسه قاسم الورداني.
– التهامي مقدم الضريح الذي يمثل نموذج الإنسان النفعي، فهو يلجأ إلى الحيل جميعها، ويدعى السحر ومعرفة الغيب ليستفيد من الذبائح، ويحتال على زوار الضريح من البوادي لكي يستولي على أراضيهم الفلاحية.
6- البنية العاملية:
تنتظم الشخصيات الأساسية المذكورة جميعها، بالاضافة إلى جميع القوى والعوامل المتدخلة في بناء الحدث الروائي، في بنية عاملية واحدة داخل النص الروائي تتحدد فيها خصوصية دور كل فاعل في الصراع الدينامي للحكي. ويمكن توزيع الأدوار كلها في بنية عاملية تتكون،كما هو معروف عند غريماس، من ستة عوامل رئيسة:
– العامل الذات: و يمثله في المقام الأول قاسم الورداني، وتنتمي إلى عامل الذات هذا كل الشخصيات التي تتعاطف مع قاسم، سواء حين كان في حالته السوية أم بعد حصول الانقسام في شخصيته. ونشير على الخصوص إلى شخصية منيرة وإلى زوجة رقية.
– العامل الموضوع: لم يظهر العامل الموضوع في الرواية في صورة شخصية بل هو قيمة سياسية واجتماعية وتربوية مفتقدة بالنسبة للشخصيات السابقة الممثلة للعامل الذات، نشير بالتحديد إلى رغبة قاسم في أن يكون ناجحا في تربية أبنائه مستقرا في أسرته ووظيفته، راضيا عن نفسه، وقادرا على الاستمرار بتلك القيم السياسية والنضالية التي كان يؤمن بها في الماضي. ولاشك أن منيرة والزوجة كانتا تقاسمانه الرغبة في هذه الموضوعات ذات القيمة، وهي في الواقع تمثل عاملا واحدا وهو العامل الموضوع.
– العامل المساعد: لاشيء يمتلكه قاسم لمساعدته في محنته سوى إزميله وهلوساته التي تجعله يرسم عوالم بديلة تعوض حالة الحرمان من الاتصال بالموضوع ذي القيمة. وضعف العامل المساعد في النص الروائي يقوي الطابع المأساوي في النص.
– العامل المعيق: هناك عناصر كثيرة مثلت دور العامل المعيق في رواية المباءة، منها اختلاف القيم الاجتماعية والسياسية، واضمحلال القيم الإجابية القديمة، وعصيان منير لقاسم الورداني، واختلال التوازن النفسي والعقلي لشخصية قاسم بسبب (عيشة قنديشة)، ووقوع منيرة ومنير في شرك الابتزاز والتعنيف من قبل بعض الأحزاب السياسية أو السلطة، إلى غير ذلك من عوامل الإحباط والخيبة التي عانى منها الأبطال.
– العامل المرسل: يمثل العامل المرسل عادة رغبة تتجاوز رغبة العامل الذات، وغالبا لانجد حضورا مباشرا للعامل المرسل في النصوص السردية، وإنما يقتضي التحليل اكتشاف هذا العامل بطريقة افتراضية، كأن نقول على سبيل المثال ما الدافع الذي جعل قاسم يعيش هذه الحالة
من التوتر والانقسام والمعاناة والبحث عن الحلول المستحيلة لواقع متعفن ؟ إن دافعا أسمى هوالذي دفعه إلى ذلك، وهو قيم العدالة والإصلاح الاجتماعي أي تلك المبادئ التي ضاعت منه ولم يعثر عليها في الواقع المرسوم. إنها ما تزال تعمل في الخفاء وتدفعه إلى تحدي انقسامه الذاتي وضياعه وضياع أسرته.
– العامل المرسل إليه: إنه أيضا افتراضي في النص قد يكون ممثلا بالسكان الحاليين لمدينة فاس، المفترض أن يباركوا كل من يتحدث عن حالة وهموم هذه المدينة التي هي في حاجة إلى إعادة ترميم لعلاقاتها الأسرية والاجتماعية، ورسم معالم بنيتها الاجتماعية والفكرية والأخلاقية. أو قد يكون المجتمع المغربي إذا ما نظرنا إلى أن استخدام مدينة فاس إنما هو رمز لكل المدن المغربية ولم لانتوسع فنقول إنها رمز لكل المدن المغربية.

7- البعد الاجتماعي:
أ)- الفساد الاجتماعي العام.
ترتبط معالجة هذا الموضوع الأساس بالشخصية المركزية في الرواية وهي شخصية قاسم الورداني. إذ يبدو أن خروجه عن أطواره العادية كان بسب مشاكل أسرية واجتماعية وسياسية متعددة، منها أنه:
– فقد دوره القديم يوم كان مقاوما، ولم يعد بين يديه سوى الذكريات.
– أما دوره الجديد باعتباره مديرا للسجن، فقد بداله متناقضا مع قيم النضال التي دافع عنها في الماضي، ولذلك كان موزعا بين تمثيل السلطة والتعاطف مع السجناء من الطلبة.
– كانت خيبته تامة في أن تكون له أسرة متماسكة وناجحة. فها هو يرى ابنه منيرا يختطف ويعذب مرتين، وهو عاجزعن فعل شيء إلى أن أصبح معوقا عاجزا حتى عن القيام بحاجاته الطبيعية. وها هويرى ابنته منيرة مهددة من قبل شخص قالت إنه من (الأصوليين) يريد إجبارها على الزواج منه لكن أباها لم يكن قادرا على حمايتها أيضا.
– كان قاسم الورداني أيضا يقف، حتى وهو منعزل في المقبرة، على سلوك الاستغلال الاجتماعي الذي كان مقدم الضريح يمارسه بالنصب والاحتيال، فيسلب الفلاحين أراضيهم ويستولي على معظم الذبائح التي تقدم للضريح.
ب- الانحراف السياسي:
ويتجلى في:
– عجز السلطة عن حماية الأفراد الذين يتعرضون للاختطاف والتعذيب.
– انحراف بعض التنظيمات السياسية الجديدة، مع التركيز على التنظيم (الأصولي) دون غيره من التنظيمات الأخرى. والجدير بالذكر هنا أن صورة الأصولية المقدمة في الرواية هي الصورة السلبية لاغير.
لكل هذا تحاول الرواية أن تقدم البديل السياسي النموذجي الذي كان ينبغي أن يستمر، ويمثل هذا بعدا إيديولوجيا مباشرا في النص رغم أن التصريح به جاء على لسان شخصية منيرة التي كانت، كما أشرنا، تقوم في الغالب بدور تجسيد موقف الشخصية الرئيسية (قاسم الورداني). فها هي تتذكر الماضي وتقلب الصور التذكارية وتقول:
(…وصورة أخرى يظهر فيها الوالد مع المهدي بن بركة الشهيد الذي طالما أحببناه وعانقنا (اختياره الثوري)) إن منيرة، إذن، تمثل الدفاع عن القناعات السياسية التي كان أبوها قاسم يمثلها في الماضي؛ لذا نرى أن المباءة رواية ذات أطروحة سياسية، تبلور اختيارها الإيديولوجي من خلال الكلام المباشر للشخصيات وخاصة شخصية منيرة وقاسم الورداني، إنها رواية منحازة بشكل ظاهر إلى التنظيمات الديمقراطية واليسارية ومناهضة، دون تميز، للأ صولية. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن نوعية الرؤية السرد ية في هذا العمل الروائي لإلقاء مزيد من الضوء على هذا الجانب.
8- الأبعاد النفسية:
تتصل الأبعاد النفسية جميعها في رواية المباءة بالأبعاد الاجتماعية التي أشرنا إليها سابقا، علما بأن المظاهر النفسية المرصودة جاءت متصلة بشخصتي قاسم الروداني وابنه منير، فقد أشرنا سابقا إلى أن أهم خاصية نفسية كلنت تميز شخصية قاسم هي الانقسام الذاتي، فهو يتقمص شخصية السفاح والشخص الرحيم في الوقت نفسه: (الآن أصير سفاحا. عرفت السفاح في. هو أراد أن يذبح القطط وأنا منعته من ذلك. سفاح مجنون هذا الذي استيقظ في أعماقك ياقاسم. اقتل. اقتل السفاح فيك، اقتله قبل أن يسيطرعليك فتصبح سفاحا بالفعل)
وهذا ليس إلا تمثيلا لما جري في الواقع، لكنه هنا يجري على مسرح الذات الفردية المهمومة بمآسي هذا الواقع. فالسفاحون يقتلون الشعب وهو يفكرفي قتل قططه لكن شقه الطيب يجعله يطعمها لحما يبتاعه من الجزار.
كما أن الكاتب وظف مايشبه الخلل العقلي أو(الدروشة) من أجل دعم مظاهر ذلك الانقسام الذي كان قاسم يعاني منه. ثم إن لجوء الرواية أيضا إلى الموروث الشعبي الخرافي المتمثل في عيشة قنديشة كان هادفا إلى تحويل شخصية قاسم إلى حالة مأساوية أو دراما اجتماعية شعيبة.
أما بخصوص الإضطرابات النفسية التي كان منير يعاني منها، فهي ناتجة عن فشله في الاندماج مع التنظيمات الطلابية ومع الأسرة. وهنا يتم اللجوء من جديد إلى الاختلال العقلي، لكن بمعناه الحقيقي، للتعبيرعن هذه الحالة المأساوية في أجلى مظاهرها السلبية.
لذا نرى أن البعد النفسي في الرواية قد تم توظيفه غالبا، من أجل إبرازالمآسي الاجتماعية والسياسية في بلد يسيطر فيه الظلم والتعذيب والانحراف السياسي والإحباط ، ومن أجل إظهار هذه المآسي السلبية على ذوات هذه الشخصيات وقواها العقلية.
9- البنية الفنية:
أ‌) الرؤية السردية
في القسم الثاني تبدو الرواية وكأنها تتجاوز الأشكال التقليدية وهي كما هومعلوم:
– الرؤية من خلف: وتكون فيها معرفة السارد بأحداث الرواية وشخصياتها تامة، فالسارد قادرعلى الإخبارعن أسرار البيوت وخبايا النفوس
– الرؤية مع (أو الرؤية المصاحبة): ومعرفة السارد فيها تكون جزئية لكنها مهيمنة. وهو يكون واحدا من شخصيات النص.
– الرؤية من خارج: يتميز فيها السارد بحياد شبه تام، لأنه يكتفي بسرد ما يراه من حركات وسلوك الشخصيات وينقل مايسمعه منها، لكنه لايعلم شيئا عما تفكر فيه. كما أنه لايتدخل برأيه للتأثير على القراء.
أما الرؤية الجديدة التي نريد أن نتحدث عنها هنا فهي ما دعاه ميخائيل باختين.
– الرؤية المحوارية: وفيها تترك للشخصيات حرية التناوب على أداء مهمة السرد، بمعنى أن كل شخصية تقدم نفس القصة أوجانبا منها لكن من منظورها الخاص. وتكون الرواية، إذا طبقت هذه الصيغة على مجموع النص، رواية حوارية. لكن رواية المباءة لم توظف الرؤية الحوارية إلاجزئيا أي في القسم الثاني فقط، فقد جاءت مهمة السرد فيه موزعة على مجموع الشخصيات الأساسية في الرواية.
وحيث أن الرواية بدأت في جزئها الأول بالرؤية المنولوجية (الرؤية مع) أي باستخدام ضمير المتكلم وهو صوت قاسم وانتهت بالابتداء أيضا بنفس الصوت في جزئها الثالث، فإن الهيمنة تبقى دائما للرؤية المصاحبة وهي نفسها ما أسميناه بالرؤية المنولوجية.
إن تجارب الكتابة الروائية والقصصية السابقة عبر العالم دائما تؤكد أن (الرؤية مع) أو يسمى أيضا (الرؤية المصاحبة) إذا ظهرت في بداية الرواية خاصة، فإن جميع الرؤى المغايرة التي تستخدم بعدها تكون شكلية ولاتؤثر كثيراعلى نوعية زاوية النظر البدئية.
وسنجد أيضا أن تحويل السرد في القسم الأول أحيانا إلى الرؤية من خلف والقسم الثالث غالبا، لم يكن له أثركبيرعلى الرؤية التي انطلقت بها الرواية. ويقررعلماء السرد أن هذا التغييرالمفاجئ لزاوية الرؤية يكون له أثرسيئ على صدقية المحكي ودرجة اقتناع القراء بوقائع النص المسرود ، ويخصون بالذكر الانتقال من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب لا العكس، أما الانتقال من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب فهو مألوف ومستساع في نمادج الكتابة السردية الغربية والعربية على السواء. ونجد نموذجه الأمثل في الأيام لطه حسين.
لكل هذا نستخلص أن الرؤية السردية في رواية المباءة رغم تعدد أشكالها ومظاهرها في النص ، فهي ترتد إلى الرؤية المونولوجية المصاحبة التي يضطلع بها سارد مشارك في الأحداث يرى العالم من زاوية نظره الخاصة ، ويجعل بعض الشخصيات تسانده في تصوره، من أجل توجيه القراء نحو قناعات محددة سلفا. ثم إن حوارية القسم الثاني من الرواية لاتعدو أن تكون مسألة شكلية للتخفيف من رتابة السرد الذاتي.
ب- الحوار:
تستخدم رواية المباءة نوعين من الحوار:
– الحوار الداخلي أو يسمى عادة بالمونولوج.
ويقوم أساسا بدور تشخيص الحالة النفسية للشخصية الرئيسة (قاسم الورداني). وقد رأينا كيف كانت تعيش حالة انشطار ذاتي بسبب المشاكل التي كانت تعانيها في مرحلة سابقة من حياتها حيث كان قاسم حارسا للسجن. على أن الحوارالذاتي يعكس جانبا آخرمن شخصية قاسم المبدع الذي ينقش الحرف بإزميله، وينطق الكلمات، ويحاول أن يكشف ما وراء الحروف.ويأتي هذا النمط من الحوار ممتزجا باللغة الشعرية لمزيد من التعبير عن الحالة الوجدانية المتألقة بهوس الكتابة على الحجر:
(….ثم حفرت بالإزميل التاء والحاء.. وجاء نهوض الألف لينهضني من الغفوة، فقد حلمت فيما يشبه اليقظة بوعل نافرفي البراري قلت هي الحروف أصوات ومعان… ص 132).
– الحوار العا دي بين الشخصيات:
ومهمته الأساسية هي الإيهام بواقعية الأحداث الروائية، لأنه يكسر سلطة السارد عندما يكون آخذا بزمام تلخيص الوقائع والأحداث بنفسه، وينقل الحكي إلى نطاق التشخيص المباشرلحركة الشخوص وكلامهم وتصادمهم المباشر. لذا يساهم الحوار في تأزيم المواقف الدرامية الناتجة عن الصراع بين شخصيات الرواية. وأكثر ما يتجلى هذا الدورفي الحوارالذي جرى متوترا بين قاسم وابنه منيرفي مرحلة السجن:
(- يابابا أعرف أنك وطني ودافعت عن الاستقلال، ولكن وأنت تقبل معارضة الناس للسلطة، وهي تأتي بهم إلى السجن من أجل أنهم معارضون، فيجب أن تستقيل من منصبك.
– أنا أستقيل؟ وبماذا سوف أعيلكم؟
– تبحث عن عمل آخر. لاأحتمل أن يقولوا بابا مديرسجن).
ج- البنية الزمانية:
لاتتبع الرواية في السرد نسق الترتيب الزمني الطبيعي للأحداث كما يفترض أنها وقعت بالفعل، لذا يمكن أن نميز فيها بين زمنين:

زمن السرد وترتيب الأحداث فيه كالآتي:
القسم الثالث القسم الثاني القسم الأول
المقبرة والضريح السجن الضريح والمقبرة

زمن القصة وترتيبها الطبيعي كالآتي:
القسم الثالث القسم الأول القسم الثاني
المقبرة والضريح الضريح والمقبرة السجن

تقوم عملية تكسير الترتيب الزمني الطبيعي عادة على مستوى زمن السرد بإبعاد الحكي عن الرتابة المألوفة في نقل الأخبار أو رواية الوقائع. لذا يعتبرهذا التكسير مظهرا من مظاهرجمالية الكتابة الروائية والسردية على العموم، كما يكون له دور في الإحساس بالتشويق لدى القارئ، بما يتضمنه من مفارقة زمنية بين ترتيب القصة الطبيعي وطريقة ترتيب أحداثها عندما تحكى.
الاسترجاع والاستباق:
هناك بعض الجسور الاستذكارية القليلة تربط الفصل الأول بالفصل الثاني، وهي عبارة عن إشارات استرجاعية داخلية يتذكر من خلالها قاسم الورداني أسرته: (كانت لي عائلة وضاعت، امرأة وولدان: ولد وبنت. كانت لي دار وضاعت….). وقد وصفنا الاسترجاع هنا بأنه داخلي لأنه يحيلنا في واقع اللأمر على ما هومفصل في القسم الثاني من الرواية نفسها. وإذا ما راعينا الترتيب الزمني الطبيعي فإن الأحداث المروية في هذا القسم تمثل الماضي، وأحداث القسم الأول تمثل مرحلة زمنية لاحقة. ومن ناحية ثانية، فابتداء الرواية بأحداث تتجاوز الماضي الماثل في القسم الثاني يعد إجراء زمنيا استباقيا.
ولا نجد في الفصل الثالث إلا إشارة واحدة إلى الماضي المحكي في القسم الثاني، يتذكر فيها قاسم الورداني عون السجن الوفي إبراهيم، ويتمنى أن يكون قد نجا من الوباء. وهذه الإشارة تنتمي أيضا إلى نمط الاسترجاع الداخلي.
الحذف:
لجأت الرواية إلى تقنية الحذف: أي عدم الاشارة إلى أحداث نعرف ضمنيا أنها وقعت بالضرورة في فترة زمنية محددة، لكن الرواية سكتت عنها لعدم الحاجة الفنية والمدلولية الماسة لذكرها. ومثال ذلك مايتعلق بالكيفية التي عاد بها قاسم من الرباط إلى فاس بعد أن اختل عقله وخرج مجردا من ملابسه.
التسريع الزمني:
يكون التسريع الزمني إيجابيا ومبررا عندما يهدف إلى القفزعلى أحداث ليس لها أهمية كبيرة في صياغة الحبكة الروائية، لكنه يتحول إلى عيب فني عندما يظهر سرعة مفرطة في بناء الشخصيات وما يحصل من تطورفي حياتها. ونشيرهنا بالتحديد إلى أن بناء صورة شخصية منير كان شديد السرعة. وهذا يؤثر دون شك على درجة اقتناع القراء بها.
د- البنية المكانية:
تزخر رواية المباءة بالأمكنة المتعددة، وهذا ما يجعل فضاءها متنوعا على المستويين الفني والدلالي:
الضريح والمقبرة: مكان الانعزال التام عن الواقع. إنه عالم الموتى والمهمشين والمرضى(والمخبولين) أوالمهوسين بمشاكل الواقع، لكنه، إلى جانب ذلك أيضا، مجال للا حتيال على البسطاء.
السجن: عالم فقدان الحرية والمتناقضات: الإجرام إلى جانب السياسة والثقافة، وحماية المجتمع إلى جانب ظلم خيرة أفراده.
المدينة: هي أصل الدواء وموطن الوباء. إنها الرمزالمصغرلمجتمع فقد صوابهلكثرة مافيه من فساد مستعص على العلاج (لذلك كان قاسم يعتبرأن سكان فاس كلهم مجانين وهو العاقل الوحيد، وإلا فلماذالم يصبه الوباء؟)
ه- الأسلوب:
توظيف اللغة الشعرية:
إن استخدام اللغة الشعرية في رواية المباءة يعزز الطابع المونولوجي،أي خاصية التمركز الذاتي حول بطل محوري في الرواية وهو قاسم الورداني، ويقلل في الوقت ذاته من تأثير المظهر الحواري الذي وجدناه في القسم الثاني. تتجلى اللغة الشعرية في الرواية في شكل حوار يقيمه قاسم مع نفسه في القسم الأول والثالث، ويتناول موضوعا ثابت الحضور يتعلق بالكتابة والنقش على رخام شاهدات القبورلكنه رامزعلى الدوام لمحاولة كشف المستور والجهر بما لم يعلن:
(لاتنس [أيها الحرف] أن تحرك الساكن وتفتح المغلق وتبدأ مما لم يبدأ وتقول مالم يقل وتروض لحظة الدهشة…).
اللغة الشعرية، في الرواية، هي إشادة ضمنية بدور الكتابة، أي بالحكاية التي يحكيها قاسم الورداني، والسارد الذي كان إلى حد كبير متواطئا معه، كما أنها تقوم في الرواية بدورالإقناع ببلاغة العبارة: (…كتابي مفتوح لا يبلله المطر، ولاتبهت كلماته حرارة الشمس… كتاب مفتوح تحت ضوء قمرالليالي، وهم يموتون الواحد بعد الآخر وكتابي لايموت).
يحتوي فن الرواية على اللغة الشعرية، إلى جانب تقنيات الحكي الأخرى مثل السرد والحوار. إنها فن مرتبط بعلاقات وطيدة مع مختلف فنون التعبيرالأخرى. وهذا ما دعا النقاد إلى وصفها بالفن التعبيرالهجين. وهي، إلى جانب ذلك، قادرة على ضم وتوظيف معظم الخطابات اللغوية المتداولة في المجتمع.
يمثل استخدام اللغة الشعرية في هذا النص موقفا من العالم الذي يستعصي على الفهم بوسيلة الفكرالمنطقي. لذا فتحويل النظرة إلى الواقع بواسطة الشعري، هو محاولة للاحتجاج على غموضه من جهة، وخلق فرصة وهمية لفك مغالقه من جهة أخرى.
التهجين اللغوي:
لجأت رواية المباءة مثل كثير من النماذج الرواية العربية إلى طريقة التهيجن اللغوي، وخاصة حين استخدمت في الحوار اللغة الفصيحة والدارجة المغربية بكل ما تحمله من بصمات تميز الخطاب التقليدي لكلام العائلات في أحياء فاس العتيقة. ونمثل للحوارالدراج بما داربين امرأتين من النساء الزائرات للضريح:
(- يالالة ها هو مول القطوط.
– هو؟ هو هذا؟
– هو با لالة ماشفتي والو. الناس تيعطيو للقطوط الرية والكرشة وهو تيعطيهم الكفتة والبوفتيك وشي هبيرات ماتشهيتهم غير فشي طاجين).
يقوم هذا الحواربوظيفتين: أولاهما أنه يكسرالمساراللغوي المهيمن في الرواية وهومسارالعربية الفصيحة، وثانيتهما أنه يوهم بواقعية الأحداث ويقرب صورة الواقع الشعبي من القراء.
السجلات اللغوية:
أشرنا سابقا إلى أن فن الرواية نشأ في المجتمعات الأروبية في ارتباط وثيق مع تعدد الأساليب والسجلات اللغوية الاجتماعية، ورواية المباءة حافلة بتعدد اللغوي، فالأب تحكم تفكيره ذكريات الماضي المحملة بلغة النضال، ومنيرة تعيد إنتاج هذا القاموس من جديد لأنها كانت متعاطفة مع انتماء أبيها إلى الحركة الوطنية. أما منير فقد استخدم قاموسا لغويا مزدوجا: الأول ينتمي إلى الفكرالثوري (الاشتراكي،الليبرالي) والثاني ينتمي إلى قاموس مناقض وهوقاموس الحركات الإسلامية. على أننا نجد في الرواية من كان قاموسه محصورا في فلك المصلحة الذاتية واستغلال الآخرين. هكذا ترى كيف كانت السجلات اللغوية في رواية المباءة تمثل تباين مواقف الشخصيات من الواقع الاجتماعي وتحدد أيضا زاوية نظرها إلى الوجود.
القراءة التركبية:
تعتبرالمباءة رواية سياسية ذات بعد انتقادي لمجتمع تتعدد مشاكله الاجتماعي والأسرية، ويطغى فيه الظلم والاحتيال، لذا ترسم أحداثها معالم المآسي الفردية والجماعية، وتعبر عن ذلك بواسطة رصد الاختلالات العقلية والنفسية وتفشي الأوبئة والانقسامات الإيديولوجية.
ولقد فضلت الرواية أن تشخص، صراحة، اختيارا إيديولوجيا معينا يجمع بين النزعة اليسارية والانتماء الديموقراطي. كما اختارت أن تدين (الأصولية) بمعناها العام دون تميزبين اتجاهاتها المتباينة. وهذا ما يجعلها رواية ذات أطروحة سياسية محددة.
والرواية، رغم إشادتها بإيديولوجية معينة، فإن الطابع المأساوي يغلب عليها، لكنها تفتح بارقة أمل في نهايتها عندما تجعل بطلها الرئيس يلتقي مع زوجته وابنته منيرة ويتعرف عليهما ويعرفهما بنفسه: ( رقية، أنا قاسم).
هذه المزاوجة بين التشاؤم والأمل مهدت لها في الرواية بعض الكلمات الاستهلالية وخاصة تلك التي أخذت من كتابات الفيلسوف الألماني نيتشه، حيث نجد تأكيد التشاؤم وقوة الانسان في آن واحد. وهذا مايجعل رواية المباءة تجمع في شخصية قاسم بين الأطروحة السياسية والبطل الإشكالي الباحث عن قيم جديدة وعن ماض مشرق (عاش على ذكراه) في واقع حالي منحط. كل ذلك أحداث مفارقة ملحوظة في مقاصدها المحتملة.
استخدمت الرواية عددا من التقنيات لبلورة مدلولاتها المذكورة منها محاولة المزج، ظاهريا، بين الرؤية المونولوجية والحوارية، وتكسير خطية الزمن الطبيعي، واستغلال تقنية الاسترجاع مع تنويع الأمكنة، وتوظيف حالة (الدروشة) وبعض علامات المعتقدات الشعبية، واستخدام اللغة الشعرية بكثافة بغاية التأثير على القراء وجعلهم يقبلون أطروحتها الإيديولوجية بأكبرقدرمن السلا سة.
وقد لاحظنا سابقا أن التسريع الحاصل في رسم بعض الشخصيات، ورصد تطورها كان مسؤولا إلى حد كبيرعن تقليص درجة الاقتناع بواقعيتها. هذا فضلا عن أن الرواية كانت في حاجة ماسة إلى مزيد من الحفز التأليفي لجعل كثير من التفاصيل والإضافات العابرة مندمجة منطقيا وجماليا بوحدتها البنائية، مع العلم أن الرواية اعتمدت على تدعيم مصداقيتها بأنماط الحفز الواقعية المباشرة أي الإحالات الكثيرة على أماكن واقعية معروفة لدى القارئ المغربي على الخصوص : كالإشارة المتكررة إلى مدينة فاس وبعض أحيائها ومعالمها التاريخية وأضرحتها المعروفة وبعض ضواحيها أوالقرى المجاورة لها. وهذا النوع من الإحالة على الواقع هوأبسط إجراءات الحفز في صناعة الرواية، لذا كان ينبغي أن يدعم بأنواع الحفزالأخرى ومنها الحفزالتأليفي المشارإليه ثم الحفزالجمالي.
يرى أحمد اليبوري متحدثا عن العلاقة الوثيقة بين العنوان ومضامين الرواية أن عبارة المباءة اتخدت في الرواية [شكل استعارة (سردية) بدأت كمفردة لغوية واتسعت وتشعبت عبر تضاريس الواقع ومنعطفاته وخباياه الموشومة (مثل قاسم) بصور العسف والقهر والابتذال والجنون، مثقلة بحمولة تاريخها اللغوي الخاص وبتاريخ مدينة أصبحت المباءة تنوب عنها وتحتل موقعها وتحيل عليها في نفس الآن.] ويرى عبد الرحيم العلام متحدثا عن البنية الزمنية والحدثية في الرواية أن الفصول الروائية الثلاثة في علائقها ببعضها من زاويتها الحدثية تعلن عن تكسير معين في النظام السردي الكرونولوجي عن طريق اختيارها لنظام استباقي واسترجاعي في الوقت نفسه…، أما الميلود عثماني فيجد أن رواية المباءة: [ منحت الأسبقية في عالمها الخاص لفعل الكتابة باعتباره تجليا للوجود الذاتي الإشكالي أي (كفعل للكينونة بتعبيرهايدغر)، كما أن الكتابة فيها هي (ميثاق جديد لذات جديدة ومتجددة تمتلك متخيلها وتبنيه بقصد ووعي شقيين].
هكذا نرى أن النقد المغربي قد وقف على أهم القضايا والظواهر المضمونية والفنية التي عكستها رواية المباءة ، فإذا كان أحمد اليبوري قد اعتبر المشروع الروائي في المباءة استعارة سردية، رهانها رسم معالم مدينة مثقلة بمظاهرالتفسح والمرض والقهر، مركزا بذلك على المشروع الدلالي والرمزي في الرواية. فإن عبد الرحيم العلام أشر على طبيعة البنية السردية في المباءة باعتبارها مثلت محاولة لتجاوز رتابة السرد التقليدي الخطي باستخدام تقنيتي الاسترجاع والاستباق. ولاشك أنه يشيرإلى الترتيب الزمني غير الخطي الذي سلكه مسار السرد في الرواية. أما الميلود عثماني فقد اتجه اهتمامه إلى البعد الأنطولوجي، فرواية المباءة، في نظره، محاولة لجعل الذات الكتابة حاضرة بكل أبعادها الإشكالية ووعيها الشقي أمام نفسها وأمام الآخرين، وهي على هذا الأساس تحول الكتابة إلى فعل للحضور الأنطولوجي.

الأستاذ محمد الدواس




ساعدنا بتقييم المحتوى
 
0
 
0

ساهم بتعليق أو ملاحظة
أرسل التعليق
مسح
Mohammed

Ana achkorkme 3la htihi m3louma

 
0
 
0

faisal

wla fikom t9ahbin d zab marojola ma ta9lwa hadi

 
0
 
0