بقلم سعيد الدريوش - أستاذ بنيابة وزان

للمعلم فرحتان، فرحة عند ترقيته، وفرحة عند حلول العطلة المدرسية، تأبطت أغراضي، وٱمتطيت جرارا أقرعا أصلعا، بدون سقيفة تقينا أشعة الشمس الملتهبة، وتوجهت صوب مدينتي الصغيرة وزان، منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي، وفي فؤادي لوعة الشوق والحنين، أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، أحن إلى الجلوس في المقهى وعلى طاولتي قهوة الصباح وجريدتي اليومية وعود الثقاب؛ لا أدخن وإنما ...
أستعمله في تنقية أسناني من مخلفات نقانق الجموعة؛ أحن إلى الحمام الشعبي وحلاق الحي.

مضت ساعات ونحن نجوب البراري والربى، مخترقين الحقول والمروج، أنا وسائق الجرار عمي التهامي، لم يصمت طوال الوقت، حديثه كله عن السياسة والفساد والظلم، عن أولئك الذين يلتهمون ولا يشبعون، يفترسون ولا يملون، ينهبون ولا يرحمون، هو جندي متقاعد، حدثني أيضا عن مغامراته في الثكنات العسكرية، وعن دوره في حماية الجبهة الجنوبية للوطن، وعن الساعات التي قضاها يطبخ ويكنس في فيلا قائده عوض أن يقضيها مرابطا على الحدود، حدثني عن معاشه الهزيل الذي يتقاضاه، لذلك ٱلتجأ إلى خدمة الوطن والمواطنين بزرعه نبتة الحشيش والطابا لعلها تخفف من معاناة الشباب عن طريق التبواق والتقرقيب.

وأخيرا وصلت إلى مدينتي الحبيبة وزان، استقبلتني أمي بزغرودة جميلة، قلت لها؛ توحشثك آيما، شكيفنهي لحالا، حميثي ولا مازالا؟ ضحكت وحسبتني أمزح معها، ولم تدر أنني قلت ذلك بعفوية متأثرا بحياتي الجبلية البسيطة، معتزا بأناس بسطاء بصموا التاريخ بعبق القناعة وعمق الانتماء، نسيت كل شيء حتى كيفية المشي على الطريق المعبدة، أصبحت أمشي كطفل في محاولاته الأولى للوقوف، صار صوتي جهوريا مندفعا ، أنادي على أمي بأعلى صوتي وكأنني أنادي على التلاميذ الذين يسرقون السفرجل من أعلى الربوة، اعتبروا الأمر عاديا ولم ينتبهوا للتغيير، الأمر الوحيد الذي لفت ٱنتباههم هو شعر رأسي الكثيف ولحيتي الطويلة، وأنا على يقين أنهم ٱنتبهوا أيضا لرائحة رجلي الباريسية،المشتقة من عصارة البوط البدوي الأنيق، إلا أنهم آثروا الصمت وٱكتفوا فقط بالسعال وٱلعطس.

سألتني أختي؛ لماذا لم تذهب عند الحلاق هناك؟ قلت لها؛ مسألة وقت، وأنا أعلم أن الذهاب إليه يتطلب أربع ساعات مشيا على الأقدام لكي تصل إلى السوق الأسبوعي، ثم تنتظر دورك أمام الخيمة ساعات حتى يتسنى لك الولوج عند حجام متعدد ٱلاختصاصات؛ حلق الرأس، نزع ضرس أو ناب، طلسومة أو تميمة توقع بها شخصا في شراكك، أو تتسبب له في عاهة مستديمة، أو تلقي به في القبر. توجهت بسرعة عند الحلاق ثم بعدها مباشرة إلى الحمام لإزالة الطبقات الكلسية الجاثمة على جسمي بسبب الطباشير الذي يشبه القنابل المسيلة للدموع، أصبحت إنسانا آخر بملامح دوبلفي، تاركا ورائي الفرعية وماضيها، لكن مع ذلك أرى في المنام تلميذي النادي بمخاطه المتدفق، وسرواله الفضفاض، وطربوشه الأكبر من رأسه يقول لي؛ معاياش داخلين غدا آأزداد؟

Photo de ‎كرامة الأستاذ أولا وأخيرا‎.

 

ساعدنا بتقييم المحتوى
 
0
 
0

تحتوي هذه القائمة على عدة دروس و ملخصات بصيغ مختلفة و فيديوهات و فلاشات وفقرات لإختبار الفهم كفقرة صحيح أو خطأ ، فقرة إختبر نفسك مع الشامل


نرجوا من الأساتذة الكرام الذين لذيهم ملاحظات حول الدروس مراسلتنا على البريد الإلكتروني:Contact.achamel@gmail.com

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الشامل
ساهم بتعليق أو ملاحظة
أرسل التعليق
مسح
achamel.info
2017-07-14 22:57:33

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/8foTBb

 
0
 
0

achamel.info
2017-07-14 23:14:29

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/8foTBb

 
0
 
0

achamel.info
2017-12-21 01:13:23

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/GzLN7H

 
0
 
0

achamel.info
2017-12-21 01:13:26

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/GzLN7H

 
0
 
0

tag