السريفي يحمّل المثقفين مسؤولية تراجع القراءة بالمغرب

في شهر أكتوبر الماضي، كشَفَ المندوب السامي للتخطيط أحمد الحليمي، أثناء عرْضه لنتائج دراسة أعدّتها المندوبية السامية للتخطيط حول استعمال الزمن اليومي لدى المغاربة، أرقاما صادمة بخصوص الحيّز الزمنيّ الذي يُخصّصه المواطنُ المغربي للقراءة، والذي لا يتعدّى دقيقةً واحدةً في اليوم.

هذا الرّقمُ الصادمُ ألْهَم طلّابَ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط، فكْرةَ تنظيم مبادرة بمقصف الكلّية، من أجل تشجيع الطلبة على القراءة، تحت شعار "القراءة مدخل أساسي لتحقيق التنمية ورقيّ المجتمعات"، تخلّلها نقاش حول موضوع "علاش المغاربة كايقراوْ دْقيقة فالنهار؟".

ويَظهرُ جليّا أنّ الأرقام الصادمة التي كشفتْ عنها دراسة المندوبيّة السامية للتخطيط تُلخّص بدقّة واقعَ علاقة المُواطن المغربي بالقراءة؛ ففي الوقت الذي كانَ ثُلّة من الطلبة لمْ يتعدّ عددهم 25 طالبا وطالبةً، يتناقشون حوْل واقع القراءة في المغرب، في مقصف كلية الحقوق أكدال، كانَ طلبةٌ آخرون يُدردشون فيما بيْنهم، وآخرون يتناولون وجْبة الغذاء، أو يرتشفون فناجين القهوة، وكأنّ شأنَ القراءة لا يعْنيهم.

"رُغْم أنّنا نوجدُ وسَط الحرم الجامعي، إلّا أنّ الحضور مُحتشم، وكأنّ الطلبة غيْرُ معنيّين بالموضوع الذي نناقشه"، يقُول أحدُ الطلبة في مستهلّ مداخلته أثناء النقاش، ويُعلّق الطالبُ الذي سيّر حلقة النقاش "هذا الحضور المحتشم نوعا ما يعْكس واقعَ الطالب في الجامعة"، ويُضيف، مُلقيا باللوم على الدولة "طلاب الجامعة أريدَ لهُم أن يتخرّجوا وهم عبارة عن آلاتٍ تشتغل في الإدارات والشركات، بدُونِ حِسِّ نقديّ".

غيْرَ أنّ طالبا آخرَ ذهبَ في اتجاه عدم تحميل الدّولة المسؤوليّة كُلّها في عزوف المغاربة عن القراءة، خاصّة طلّاب الجامعة، ويرى أنّ فشل المنظومة التعليميّة، وعدمَ توفير الدّولة بنيةً تحتية تُساعد المواطن على القراءة، لا يجب أن يكونَ مبرّرا للإعراض عن الكتاب، قائلا "إذا كانَ كلّ هذا صحيحا، فما الذي يمْنع الطالبَ من القراءة"، وأَضاف "إذا غابت الإرادة الشخصيّة يصعبُ أن يتقدّم المجتمع، وعليْنا أن نفعل شيئا من أجل تغيير هذا الوضع".

وَضْعٌ قالَ الأستاذ بدر السريفي الذي أّطّر حلقة النقاش، وهو أستاذ باحث في كلية الحقوق أكدال إنّه ناجمٌ عن عدّة عوامل، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، مُشدّدا على أنّ من أبرز أسباب تدهورِ فعْل القراءة في المغرب تراجُع المكانة الاعتبارية والاجتماعية للمثقّف، ففي سنوات السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي -يقول المتحدّث- كانتْ وضعية المثقف أفضل بكثير مما هي عليه اليوم، "حيثُ انزوى المثقف على نفسه وأغلقَ النوافذ وابْتعدَ عن منظومته المجتمعية".

وأشارَ السريفي إلى أنّ السياسات الحُكومية المتّبعة تعمّدت وضع المثقف على الهامش، غيْرَ أنّه حمّل مسؤولية الوضع الحالي للمثقّفين، قائلا "إذا كانتْ هناك سياسات حُكوميّة جعلت المثقفين يُوضعون على هامش خطّ التنمية، فهم بدورهم قبلوا هذه الوضعية، وتقوقعوا على أنفسهم، وبدؤوا يُصدرون مؤلفات خاصة، دون الخوض في مشاكل وهموم وقضايا المجتمع، وابتعدوا عن الانخراط في تقديم الإجابات على الإشكالات التي يعاني منها المجتمع".

ومن الأسباب الأخرى التي يرى السريفي أنها أدّتْ إلى تضاؤل نسبة القراءة لدى أفراد المجتمع المغربي، ضُعف البنى التحتية المشجعة على القراءة، وتراجع دور المكتبات الوطنية في هذا الاتجاه، والقضاء على دور الطبقة المتوسطة وقدرتها على التغيير الحقيقي في المجتمع على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مُوضحا أنّ الطبقة المتوسطة الغارقة في همومِ مشاكل الحياة، ما عادَ لها وقْتٌ تخّصصه لتربية أطفالها على القراءة.

وجواباً على سؤال حوْل مدَى تأثير ضعف القدرة الشرائية للمواطنين على تدنّي نسبة القراءة، قال السريفي  "إلى حدّ ما هذا صحيح"، مُوضحا أنّ السياسات الحكومية، خاصّة في ظلّ الحكومة الحالية، ضربتْ بشكل كبير القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، غيْرَ أنّه أشار إلى أنّ هناك نسبة كبيرة من المواطنين لا يتمّ الحديث عنها، وهي تلك التي تعيش في "المغرب العميق"، وتعاني الأمية، ويُعتبر الحديث عن القراءة بالنسبة لها نوعا من الترف الفكري.

وعلى الرُّغم من أنّ وسائل التكنولوجيا والاتصال الحديثة تُتيح إمكانية قراءَة الكُتبِ مجّانا، إلّا أنّ ذلك لمْ يُسْهم في رفْع نسبة القراءة لدى المغاربة، ويُرجع السريفي سببَ ذلك إلى أنّ المغاربة –كما هو حالُ باقي شعوب دول العالم الثالث- لم تستفدْ من الجانب المشرق للطفرة التكنولوجية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، وظلّوا حبيسي جانبها "المظلم"، وهو ما جعلهم لا يستفيدون من مزاياها المتعدّدة.

إلى ذلك، دَعا السريفي الطلبة إلى عدم الاستسلام للوضع القائم، والبحث عن مشاجب لتعليق الفشل، مشيرا إلى أنّ عدم وجود استراتيجية للدّولة للتشجيع على القراءة لا ينفي أنّ هُناك ضُعفا لدى الطلبة، يتحمّلون مسؤوليته، وأضاف "صحيح أنّ هناك تراكمات في حياة الطالب، لكن عندما يصل إلى المرحلة الجامعية فهو رجل ناضج، ولا يجبُ عليه أن يستمرّ في إلقاء اللوم على الآخرين عوض الانكباب على إصلاح الذات"، وأضاف موجّها خطابه للطلبة الذين كانوا متحلّقين حوله "لا مفرّ لكم من القراءة، وإلا فابْحثوا عن مجالات أخرى لكسْب لقمة العيش".

ساعدنا بتقييم المحتوى
 
0
 
0

تحتوي هذه القائمة على عدة دروس و ملخصات بصيغ مختلفة و فيديوهات و فلاشات وفقرات لإختبار الفهم كفقرة صحيح أو خطأ ، فقرة إختبر نفسك مع الشامل


نرجوا من الأساتذة الكرام الذين لذيهم ملاحظات حول الدروس مراسلتنا على البريد الإلكتروني:Contact.achamel@gmail.com

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الشامل
ساهم بتعليق أو ملاحظة
أرسل التعليق
مسح
tag