Lahcen Boutskaouin
من مذكراتي في الجبال
....أيقظني رنين المنبه.. خرجت من تحت الأغطية الدافئة بصعوبة كبيرة، كان البرد شديدا لدرجة الارتعاش، و درجة الحرارة دون الصفر درجة..فتحت باب سكني، او بالاحرى جحري، و ابتعدت بضعة امتار. كانت الحقول المقابلة للقسم كلها بيضاء بلون الصقيع..كل الاشجار عارية من اوراقها، إنه اواخر شهر دجنبر..لم تشرق الشمس بعد.. 
اسراب من التلاميذ تظهر هنا و هناك، من كل الجهات، اجسامهم الصغيرة منكمشة بسبب البرد الشديد..يخرج البخار من أفواههم الصغيرة ..وقفت انظر الى منازل القرية و خيوط الدخان التي تنبعث منها، لاشك انهم يعدون الآن الحساء القروي ..نعم الحساء، أحتاج الى شرب برميل ساخن لعله يطرد قساوة البرد على جسمي ..بدأت الطلائع الاولى للتلاميذ تصل، كل واحد ينكمش و يسند ظهره النحيل الى جدار القسم موهما نفسه انه في ملجأ للبرد..وصل موعد الدخول الى القسم طلبت منهم ان يصطفوا استعدادا للدخول.. أطفال يرتعشون بردا ملابسهم، او ما يشبه الملابس من البساطة بما كان، صدور اغلبهم مكشوفة، و وجوههم محمرة بردا، تأملت أحذيتهم البلاستيكية معظم أصابع أرجلهم مطلة.. طلبت منهم الدخول الى الفصل الدراسي. لافرق بين الخارج و ما يشبه القسم جل زجاج نوافذه مكسر تماما لفحات البرد تدخل من جهة و تخرج من الجهة الاخرى، لا فرن و لا كهرباء و لا ماء صالح للشرب...فصلان دراسيان يتيمان بدون مرافق صحية ولا سور و لا كهرباء و لا ماء صالح للشرب ..بنيا في المكان الذي لا يستطيع ان يبني فيه اي احد من سكان القرية منزله لخطورته، لأنه يقع تحت جرف صخري خطير و سقوط اصغر حجرة من الاعلى بامكانها ان تحدث كارثة ..تساءلت لماذا تبنى المدارس القروية في مثل هذه الاماكن؟؟ إما تحث جرف خطير، او بمحاذاة المقبرة، او بجانب الوادي او في مكان خال و بعيد عن الدوار..هل هذا يدل على قيمتها لدى الانسان القروي.؟.
المهم وقفت أمام التلاميذ بجدية و استأنفت الدرس رغم كل الظروف. كتبت التاريخ و عنوان الدرس..وبدأت درسي، و استفاضت شروحاتي و أسئلتي محاولا ان أنسي تلامذتي معاناتهم مع البرد. فجأة وقف في باب القسم أحد تلامذتي متأخرا، اقتربت منه واقشعر بدني لما اكتشفت ان جسمه و ملابسه كلها مبللة، لقد سقط المسكين في الوادي بعد ان حاول ان يقطع الى الضفة الاخرى للوصول الى المدرسة ..كان يرتعش و يتكلم بصعوبة كبيرة كلفت احد التلاميذ ليوصله الى منزله بعد أن مددته بمعطف قديم... غادر الاثنان و رجعت الى استئناف الدرس، بدأت أستفزهم بأسئلتي كي يساهموا معي في بنائه، البعض فقط هو من يشارك، فجأة فاجأت احدهم بسؤال كي احاول اقحامه للمشاركة في الدرس..لكنه سكت ينظر الي بعينين شبه مغمضتين ووجه ذابل ..قلت له "هل أنت مريض؟؟" ليجيبني بكل براءة انه لم يتناول فطوره اطلاقا لأن ما لديهم من المؤونة قد نفذ!!!!
تراجعت إلى الوراء ماسكا رأسي ، طفقت انظر الى الحقول عبر النافذة المكسرة . تساءلت هل السيد الوزير الجالس الآن، في مكتبه المكيف في الرباط، و هو يحتسي قهوته الساخنة، يعلم حال هؤلاء الصغار ؟؟ ....
أواخر شهر دجنبر 2005

ساعدنا بتقييم المحتوى
 
0
 
0

تحتوي هذه القائمة على عدة دروس و ملخصات بصيغ مختلفة و فيديوهات و فلاشات وفقرات لإختبار الفهم كفقرة صحيح أو خطأ ، فقرة إختبر نفسك مع الشامل


نرجوا من الأساتذة الكرام الذين لذيهم ملاحظات حول الدروس مراسلتنا على البريد الإلكتروني:Contact.achamel@gmail.com

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الشامل
ساهم بتعليق أو ملاحظة
أرسل التعليق
مسح
tag