تلعب اللغة دورا مهما في التواصل العلمي وكتابة ونشر العلم والمعرفة٠ وفي عصرنا الحاضر ومع تطور تكنولوجيا التواصل والمعلوميات الرقمية، وظهور شركات دولية عملاقة متخصصة في طبع ونشر الكتب والمجلات العلمية في جميع التخصصات، برزت اللغة الأنجليزية، إلى جانب لغات أخرى طبعا، كلغة للتواصل العلمي والنشر بين جميع دول العالم إلى حد جعل الكثيرمن الناس يعتبرها لغة العلم بامتياز٠ ما يهمنا من خلال هذا التقديم هو التساؤل وإبداء الرأي في موضوع اعتباراللغة الأنجليزية كلغة وحيدة منتجة للعلم كما يظن البعض، حيث يعتبرون أن من لا يتقن اللغة الإنجليزية لا يمكنه أن يكون باحثا جيدا، وأن تعليمنا العالي وبحثنا العلمي متخلفان بسبب عدم إتقاننا لهذه اللغة، وأن طلبتنا وأساتذتنا لو كانوا متمكنين من الأنجليزية لأصبحت جامعاتنا تنافس بل وتضاهي مثيلاتها في البلاد المتقدمة، وعليه فحسب منطق هؤلاء فاللغتان العربية والفرنسية أصبحتا متجاوزتين في مجال البحث العلمي لأنه بعد ما ئة عام ستموت اللغة الفرنسية ولأن اللغة العربية غير منتجة للعلم، كما جاء على لسان وزيرنا في التعليم العالي والبحث العلمي في بعض خرجاته الإعلامية،٠

هكذا ونحن بصدد إبداء رأينا في موضوع ما تقدم نريد التأكيد بداية على أن القول والتشديد على أن تعليمنا العالي وبحثنا العلمي متخلفان بسبب جهلنا للغة الإنجليزية، فيه أولا تغليط للرأي العام حول حقيقة أزمة الجامعة المغربية باختزالها في مسألة اللغة، ويعبر ثانيا عن جهل واضح بالعديد من الحقائق والمعطيات المعرفية والتاريخية المرتبطة بتاريخ التطور الفكري والعلمي للبشرية٠ ثم أن الاعتقاد باختفاء أو موت اللغة الفرنسية مثلا هو ضرب من الوهم والخيال وإنعدام الوضوح في المقاربة، ذلك لأن المعطيات توضح أن فرنسا تفوقت في مجال الأدب على كل الشعوب، حيث أحرزت لحد الآن 15 جائزة نوبل للأداب، وهي النسبة الأعلى بين شعوب العالم، تجعل لغتها تبقى حية لقرون طويلة، كما أنها فرضت نفسها كأول لغة منتجة للمصطلحات والمفاهيم في مجال الرياضيات وبعض العلوم الإنسانية، بل حتى في بعض التخصصات في المعلوميات، نظرا لعلاقة هذه الأخيرة بالرياضيات والتفوق الكبير الذي تعرفه الرياضيات الفرنسية٠

أما القول أن لغة ما تنتج العلم أو لا تنتجه فهو في اعتقادي غير صحيح . فعملية الإنتاج الفكري والإبداع هي عملية سيكولوجية معقدة جدا تتداخل فيها عوامل كثيرة لا دخل للغة فيها إلا في كونها تنقل إلى العقل وسائل التحليل لينتج فكرا يعبرعنه باللغة التي يختارها صاحب هذا العقل من بين اللغات التي يعرفها والتي تمكنه من إيصالها إلى جمهور واسع من المهتمين. ومن بين العوامل التي تدخل في عملية الإنتاج الفكري، هناك الاهتمام والتفكيرالدائم، الذي يبدأ غالبا في الطفولة ثم بداية التعليم الإعدادي، حيث يظهر عند المتعلمين نوع من الذكاء وميولات نحو بعض العلوم قد تتطور في ما بعد (أو تموت)، ثم الوسط الإجتماعي والمحيط الفكري والتجربة الشخصية والعمل المستمر والحظ٠ فاللغة هي مفهوم وصفي كما يقول كارل بوبر، فهي لا تنتج علما أو فكرا٠ فالعالم والباحث يفكران بطريقة مستقلة عن اللغة التي سيعبران بها عن فكرهما٠

تعميما للفائدة وتوضيحا للرؤية لا بد من تحديد بعض المفاهيم٠ فلغة العلم التي نتكلم عنها هي أي لغة يتم بها تلقين أو تلقي المعرفة في جميع المستويات أو بعضها، وبها يمكن للإنسان أن يتعلم ويعبر عن فكره وإبدعه قولا أو كتابة، ويطور معارفه ويرتقي إلى أي مستوى معرفي متقدم يريده ويطمح إليه، فكل اللغات هي لغات العلم بهذا المفهوم، حيث نرى أن التعليم والبحث العلمي في دول أروبا وأسيا وأمريكا اللاتينية يتم في كل مستوياته وجميع تخصصاته، باللغة أو اللغات الوطنية (في حالة تعددها) لهذه الدول، وبالرغم من تعدد هذه اللغات في اروبا فهي أكبر منتج لأفكار العلمية في العالم٠

فعندما نقول أن لغة العلم هي الإنجليزية فمعنى ذلك أنها هي وحدها التي تكسب هذه الصفة، بينما اللغات الأخرى ليست كذلك، وهذا في تقديري غير صحيح كما بينت فيما سبق٠ فالإنجليزية هي لغة التواصل العلمي ولغة كتابة العلم، إتفق أهل العلم على جعلها كذلك في الندوات والمؤتمرات، وفي نشرالأعمال العلمية وانتشارها، منذ حوالي قرن من الزمان أويزيد، وبذلك أصبحت لغة النشر بامتياز، حيث تضمن لمن ينشر بها إنتشارا واسعا لأعماله العلمية٠ وإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن هناك حقبا تاريخية كانت لغات الشعوب المتفوقة في العلم والفكر هي الإغريقية، أو العربية والألمانية، ولم تكن يوما أي من هذه اللغات هي لغة العلم بأي امتياز كان، فاللغة في العلم هي لغة المصطلحات العلمية، وهذه المصطلحات موجودة ومثبتة في كل اللغات٠ وأعتقد أن اعتماد الإنجليزية اليوم كلغة للتواصل العلمي يعود إلى الحقبة الإستعمارية، حيث اعتمدت هذه اللغة كلغة ثانية لدى العديد من شعوب العالم، وامتد هذا الإعتماد الى شعوب أروبا وأمريكا اللاتينية، والسبب الثاني قد يكون هو هيمنة الجامعات ومراكز البحث العلمي الأنجلوسكسونية على مجال البحث العلمي منذ الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي٠

إن تاريخ الفكر والعلوم هو تاريخ التطور الفكري والثورات الفكرية والإكتشافات العلمية الكبرى، التي ساهمت ولا تزال تساهم فيها أمم وشعوب كثيرة في جميع أنحاء العالم، حيث أن علماء هذه المراحل من التطور الفكري والعلمي لم يكونوا كلهم يعرفون الإنجليزية، بل إن جلهم لم يكن يتكلمها إلا إلى عهد غير بعيد٠ وفي أواخر القرن السابع عشر وحتى حدود الأربعينات من القرن الماضي كانت ألمانيا القوة العلمية الكبرى في العالم، وكان إنتشار علومها يتم عبر الترجمة من الألمانية إلى اللغات الأخرى٠ ورغم كل هذا لم تكن الألمانية في يوم من الأيام لغة العلم بالمعنى الذي اصبح يفهم به اليوم عند البعض، أو لغة عالمية للتدريس حيث لاوجود لهذا النوع من اللغات٠ كما أن الشعب الألماني تفوق كثيرا في الفلسفة لقرون طويلة إمتدت من القرن الخامس عشر إلى بداية القرن الماضي، وخلال هذه الحقبة الطويلة ظل الفلاسفة الألمان ينشرون أعمالهم ويكتبون مؤلفاتهم في الفلسفة بالألمانية، وسرعان ما انتشرت هذه الأعمال والمؤلفات وانتقلت عبر الترجمة إلى العربية والفرنسية والإنجليزية والروسية وغيرها، من طرف من تخصصوا في فكر هيغل وكانت وهايدغر ونيتشه وغيرهم من فلاسفة ألمانيا الكبار، ودرسوا وتعلموا الألمانية بدافع تخصصهم ومن أجل البحث والتعمق النظري في هذا الفكر٠ وقد عرف الفكر الفلسفي الألماني مستوى قل نظيره في العالم، مما جعل الفيلسوف الألماني نيتشه يقول أنه ليس هناك في تاريخ الإنسانية من أتقن هذا الفكر وتفوق فيه بعيدا غيرالشعب الإغريقي والشعب الألماني٠ وقد عرفت الرياضيات والفزياء الألمانية ثورة لم يشهد العالم مثلها في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تجلت في أعمال رييمان، كانتور، إنشتاين، بلانك، هيلبرت وكودل وغيرهم، وتم كل هذا باللغة الألمانية٠

وفي القرن السابع الهجري عرف الفكر الإسلامي العربي طفرة نوعية أدت إلى العودة إلى الفلسفة الإغريقية وإعادة الروح إليها عبر ترجمتها ونقلها إلى اللغة العربية، ولم يفكر أحد في تدريسها وتعليمها باللغة الإغريقية، وهكذا تم الإهتمام بهذا الفكر والمساهمة فيه باللغة العربية، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور وانبعاث فلاسفة ومفكرين كبار من أمثال الفارابي، الكندي، الغزالي، ابن سينا والخوارزمي وغيرهم كثير في جميع مجالات الفكر والطب والرياضيات حيث تظل بصماتهم الفكرية والتنظيرية خالدة في الفكر الإنساني والبشري، نعم لقد فكروا ومارسوا التنظير الفلسفي والإديولوجي بلغتهم الأم٠

إن كل التجارب والمعطيات التاريخية تثبت أن العلم والفكر لا يمكن إستيعابهما وتعلمهما والإستفادة منهما والمساهمة فيهما إلا عن طريق اللغة أو اللغات الوطنية٠ أما بالنسبة للغة الأنجليزية، كلغة للتواصل العلمي، أعتقد أن هناك حل سهل، إذ يكفي وضعها ضمن برامج التكوين بسلكي الإجازة والماستر بالجامعة، عوض طرح المسألة وكأنها أم المشاكل في التعليم العالي، وتحميل مسؤولية ضعف المستوى في هذه اللغة والجهل بها للطلبة والأساتذة٠ أما جعل اللغة الإنجليزية لغة ثانية في بلادنا كما يذهب البعض إلى ذلك، فالأمر في رأيي يبدو شبه مستحيل لأسباب موضوعية. وإذا أردنا النهوض حقيقة بالتعليم العالي، يجب إعطاء الأولوية إلى جودة الإنتاج العلمي ومستوى الدكتوراه بالجامعة المغربية، ومحاسبة المختبرات المسؤولة عن إنتاج الرداءة التي أصبحت تطبع الكثير من الأبحاث المحسوبة على الجامعة المغربية، وحل هذه المختبرات إن إقتضى الأمر ذلك. فهناك مختبرات لا تنتج إلا الرديء من الأعمال وتستفيد من الدعم بسبب الخلل الذي يعرفه نظام تقييم البحث العلمي والدكتوراه وتوظيف الأساتذة بالتعليم العالي بجامعاتنا، اما مسألة اللغة فتبقى ثانوية با

نقطة نظام في موضوع لغة التواصل العلمي ولغات العلوم

ساعدنا بتقييم المحتوى
 
0
 
0

تحتوي هذه القائمة على عدة دروس و ملخصات بصيغ مختلفة و فيديوهات و فلاشات وفقرات لإختبار الفهم كفقرة صحيح أو خطأ ، فقرة إختبر نفسك مع الشامل


نرجوا من الأساتذة الكرام الذين لذيهم ملاحظات حول الدروس مراسلتنا على البريد الإلكتروني:Contact.achamel@gmail.com

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الشامل
ساهم بتعليق أو ملاحظة
أرسل التعليق
مسح
achamel.info
2017-07-14 20:38:14

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/8foTBb

 
0
 
0

achamel.info
2017-12-20 15:52:42

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/GzLN7H

 
0
 
0

achamel.info
2017-12-21 11:24:24

تحميل تلخيص جميع دروس https://goo.gl/GzLN7H

 
0
 
0

tag